ولادة ميت



Rating  0
Views   718
حيدر طالب مهدي العجيلي
5/6/2011 11:11:07 AM

قصة قصيرة:

(  ولادة ميت )

بقلم: حيدر طالب الأحمر

أستاذ بجامعة بابل

 

هجم طفل صغير على الطريق أمام سيارة الأُجرة.

فضغط علي بقوة على الكابح، قُـذفَ الراكبُ الجالس في المقعد الخلفي بشدةٍ إلى الأمام، فارتطم رأسه بالحاجز الزجاجي الذي يفصل بينه وبين السائق وقال: اللعنة ! ما الذي تفعله بحق الجحيم؟ أدار علي محرّك السيارة من جديد، وقال: المعذرة يا سيدي !عندما رأيت الطفل، فإنني ...
طفل؟ دست الكابح بهذه القوة بسبب طفل لعين كدت أن تشج رأسي ؟.
صاح علي الذي تملَّـكه الغضب فجأة: من أجل طفلٍ ؟ طبعاً.

أم أنه لا يهمك أن يُـقتل طفل ؟.
استرخى الراكب على المقعد وقال: طيب، طيب" ثم غرق في صمت ٍ كئيب .
وبعودته إلى القيادة أحسَّ علي بقطرات العرق تنساب على عموده الفقري، وكانت الذكريات المرعبة، تلك التي مضت عليها ست سنوات، الآن، ما زالت متوهجة كأوضح ما تكون .
كان علي قد قاد سيارة الأُجرة لمدة تزيد عن العشر سنوات، لم يتسبب خلالها في أي حادث، ولم يتلقَّ أي مخالفة سَيْـر، ولكن في ذات يومٍ كان مشغولا أكثر من المعتاد وراح يفكر في أن يكف عن العمل مبكراً.

 وبينما كان يمضي بسيارته عبر منطقة سكنية هادئة، في طريقه إلى الكراج رأى سيارة شحن صغيرة تقترب في الاتجاه المقابل.

كان الشارع ضيقا لكن هناك مساحة كافية للعبور.

 قاد علي السيارة ببطء على بعد بوصات من السياج الممتد على يساره.
وكادت السيارتان ترتطمان عندما ضربت مرآة الشاحنة الجانبية شيئا ما، وأحدثت صوتا مرتفعا، كان غصن شجرة على ما يبدو.
جفل علي، وأشاح بنظره عن الشارع لدقيقة فقط لكنها كانت كافية لاندفاع طفل صغير من بوابة مفتوحة أمام سيارة علي ، الذي ضغط على الكابح بكل قوة.

أطلقت الإطارات صرخة طويلة حادة، وشعر بأنه لطم شيئا محدثا صوتا مكتوما.

 فأغمض عينيه ... كان ذلك قبل ست سنوات .
تطلع علي إلى ساعته بينما كان الراكب يهم بالنزول من سيارة الأجرة، ورأى أن الوقت قد حان لإنهاء مناوبته، وقال للراكب بينما هو يترجل من السيارة: " شكرا لك سيدي " لقد عملت بشكل جيد اليوم، أفضل من المعتاد، فلا خير في العودة الآن .
كان ذلك في أصيل يوم حار من أيام شهر حزيران.

 وفي طريقه على المرآب انعطف علي في طريق ضيق، هادئ .

قال لنفسه: هذه الازقة لا تتغير ابداً.

 إنها لم تتغير إطلاقا خلال ست سنوات .
عبر علي هذا الشارع مرات لا حصر لها منذ وقوع الحادث .

 ولطالما شعر كلما طاف به بأنه مجبر على القيام بهذا كنوع من التخليد لذكرى ذلك الطفل الصغير .

 كأنها زيارة لقبر .
لم يوجه أحد اللوم له يومها، فالكل أجمع على أن الحادث كان شيئا لا يمكن تجنبه.

وبالطبع، قام علي بكل ما يستطيع من أجل عائلة الصغير.

 ولكن حقيقة أن هذه الأسرة لم تطالب بأي تعويض، ولم تذكر شيئا إطلاقا عن المال، جعلت العبء أسوأ وأثقل بالنسبة لعلي، وكان يذكر نفسه مرات ومرات بأن كل أموال العالم لن تستطيع أن تعيد هذا الطفل للحياة من جديد.
كان رجل في نحو الستين من العمر يعرج ماضيا باتجاه الحاجز الحجري، عند حافة الطريق، وعندما لاحظ سيارة الأجرة توقف ورفع يده فتوقف علي أمام العجوز وفتح له الباب .
كان الرجل يرتدي بنطال وقميص أنيق وتفوح منه رائحة طيبة .
قال العجوز :  آه .. الحمد لله .

ليس هناك من سيارات أجره متوفرة في هذه المنطقة .

كنت أخاف من الاضطرار للمشي حتى بلوغ الشارع الرئيسي.
 
إلى أين يا سيدي؟.
حسناً.. إنها تدعى مدرسة ال.الابتدائية، إنها..كيف لي أن أشرح لك..لا حاجة لذلك يا سيدي إنني أعرف أين تقع.
آه . أتعرف ؟ جيد أرحتني !.
تنهد الرجل في ارتياح، وقال: إنني لا أتذكر أسماء الشوارع بوضوح .

ينبغي عليّ أن أطلب من أحدهم أن يكتبها لي .. على ما أعتقد .. لكنني ...
خفف علي من سرعة السيارة، وقال: في الحقيقة، لقد ذهبت إلى هذه المدرسة مرة أو مرتين.
كان الطفل الذي دهسه علي قد التحق لتوه بهذه المدرسة .
وعادة ما يوقف علي سيارة الأجرة بالقرب من ملعب المدرسة ليقوم بمشاهدة الأطفال وهم يلعبون، ولولا وقوع الحادث لكان ذلك الطفل يلعب الآن مع الأطفال الآخرين .
التقط الراكب العجوز نفسا عميقا وقال: آه ، يا له من يوم رائع!

فرد علي: إنه كذلك ! هل هناك مناسبة خاصة يجري الاحتفال بها في هذه المدرسة ؟.
 
في الواقع، نعم ، إنه حفل تخريج حفيدي.
كم هو رائع!
كنت أخشى أن أتأخر على الحفل.

 لكن والحالة هذه فبإمكاني أن أصل هناك في الوقت المحدد.
انعطف علي إلى الشارع الرئيسي .

كان طريق المشاة مزدحما بأطفال المدرسة الذين يلعبون معا .

وهم يسيرون.

لقد تخرجوا أيضا لتوهم، وكل منهم يحمل شهادة مطوية في يده، ويقوم بعضهم بتمثيل دوره في مشاهد انيطت بهم من قبل معلم الفنون في مدرستهم وهم يستخدمون شهاداتهم المطوية كرمز ودلالة لنجاحهم وتفوقهم .

توقف علي عند الإشارة لحمراء، بينما أخذت مجموعة من الأطفال تعبر الشارع أمام سيارته.
إن الأطفال رائعون، أليس كذلك ؟

بإمكاني أن أقضي وقتا يمتد للأبد وأنا أتطلع إليهم .
انحنى الرجل العجوز إلى الأمام وناول علي صورة فوتوغرافية، تناول علي الصورة ونظر إليها، ثم قربها أكثر من ناظريه .
كان ما يزال يحدق في وجه الطفل، عندما أطلقت السيارة الواقفة خلفه إشارة تحذير.

 أرجع علي الصورة للرجل، وأدار محرك السيارة .
إنها صورة قديمة إلا أنها جيدة .

 ألا تعتقد ذلك ؟.
تجمدت عينا علي باتجاه الشارع أمامه .

لقد سبق له وأن رأى هذا الوجه، في صورة أكبر حجما، يحيط بها شريط أسود .

كان ذلك منذ ست سنوات مضت .
لقد قابل جد الطفل في مراسم التشييع .

لكن الآن فقط، وهو يختلس نظرة خاطفة عبر المرآة الخلفية أدرك أنه الوجه ذاته .

لقد كبر كثيرا خلال السنوات الست هذه .
تذكر علي أن الجد حرفي ماهر من نوع ما .

رجل هادئ، مبجل، حتى أنه قد يحسبه المرء بطريق الخطأ من المثقفين، على الرغم من أن أحدهم قال إنه لم يتلق أي تعليم رسمي إطلاقا .
قال الرجل عندما هم علي بالتوقف أمام المدرسة: شكرا جزيلا لك  .

دفع أجرة التاكسي دون أن ينتظر الباقي .

اندفع مسرعا عبر بوابة المدرسة .
أوقف علي الأُجرة بعيدا شيئا ما عن المكان الذي نزل فيه العجوز، وترجل ليتبع الرجل.

وعبر بوابة المدرسة أخذ يرقب زبونه وهو يدخلها .
سأل رجل في خريف العمر كان يقف قريبا مرتديا زي يدل على انه حارس للمدرسة علي: هل من خدمة ؟.
لا أنا سائق تاكسي، لقد أحضرت هذا الرجل الذي مرَّ لتوه من هنا.
أومأ الرجل رأسه بالإيجاب وقال: آه ..هذا الرجل.
ذكر شيئا عن تخرج حفيده.
حفيده؟

إن حفيده ميت يا سيد! صدمته سيارة أليس هذا حادثا بشعا ؟ أتعلم ما الذي كنت سأفعله لو كنت مكانه ؟ كنت سأسحق ذلك السائق.

 قطب الحارس وجهه وأضاف :
ولم تمضِ سنة أخرى حتى ماتت والدة الصبي بدورها.

أحس علي بالدم ينسحب من وجهه.

كان على علم بأن الوالد توفي في وقت ما قبل وقع الحادث، لكن تلك هي المرة الأولى التي يسمع فيها بوفاة الوالدة.

فإن كان هذا صحيحا فمعنى ذلك أن الجد عاش طوال هذه المدة وحيدا ...
إذن الأمر على هذا النحو.

 ففي وقت ما بدأ الجد في الاعتقاد بأن الصبي ما يزال حيا .
هل بدأت مراسم الاحتفال ؟.
أقدر أن نصفها انقضى.
مضى علي بخطوات سريعة باتجاه المدرسة.

لم يكن ليدع هذا العجوز يذل نفسه أمام هذا الحشد من البشر.

ما من شك في أن هذا العجوز بدأ يترنح في الزحام، باحثا عن حفيده الوهمي .
فجأة تراجع علي.

كان المكان مزدحما بطوابير وراء أخرى من الطلاب وأولياء أمورهم.

والجميع جلوس بهدوء لمتابعة خشبة المسرح .
استطاع بمشقة السير متبعا عبر الممشى بين الكراسي، قالت امرأة شابة، هي مدرِّسة، حسبما خمن علي وهي تربت على كتفه: المعذرة .إن كنت تنظر أحدا .. .
 
لا .أنا ..إنه .. .
دوت أركان المدرسة بأصوات التصفيق الحار.

فنظر علي باتجاه خشبة المسرح .

هناك مع كل الطلبة الخريجين وقف العجوز الذي سُـلِّـم شهادة التخرج .
استدار علي إلى المدرسة الشابة وقال : " ذلك الرجل ...".
أخذت المدرسة تشرح " آه .نعم .لقد فقد حفيدا له منذ سنوات مضت .

وهو شخصيا لم يتلق أي تعليم في المدارس.

لذلك قال إنه سيذهب بدلا من حفيده .

فقد نفَّـذ ذلك بالفعل، كل يوم، ومنذ ست سنوات.

أضافت وهي تهز رأسها بإعجاب: إنني حقيقة أحترم هذا الرجل .
على خشبة المسرح كان الرجل العجوز ينحني باحترام فائق للاحتفاء الحماسي الكبير الذي يتلقاه .
تبسَّم العجوز وهو يرى علي يلوح له في سيارة الأجرة وهو خارج من البوابة وقال: آه لقد انتظرتني.
هل لي أن أوصلك إلى المنزل ؟.
فتح علي باب السيارة للراكب، وأدار المحرك .
تهانينا يا سيدي.
ضحك العجوز ضحكة خافته وتنهد قائلا: آه لقد سمعت الخبر؟ ... إن الأمر محرج نوعا ما.

لم يكن باستطاعتي أن أشرح أن التخرج كان تخرجي أنا .

على أية حال .. لقد حققت ذلك .

لقد وعدت حفيدي ..أنني بعد موته ، سأتخرج من أجله.
قطع علي مسافة بالسيارة قبل أن يقول: أنا السائق الذي صدم حفيدك أو ربما تعرف أنت بدورك ذلك.
لم يكن هناك مِنْ رد.

توقف علي عند حافة الطريق واستدار باتجاه العجوز .
لم يتحرك العجوز.

كانت عيناه مغمضتين، ويداه ممسكتان بالشهادة المطوية بإحكام .

لقد أوفى بوعده لحفيده وشق طريقه عبر نوع آخر من التخرج.

 


وصف الــ Tags لهذا الموضوع   قصة قصيرة