محاورة عن الجميل



Rating  0
Views   2322
بهاء علي حسين السعدي
7/25/2011 4:48:53 AM


      
 
ان تنوع المحاورات الأفلاطونية لا ينتقص من تكاملها، ولا يقلل الروابط القوية التي تشدها إلى نظرية المعرفة، فالمشروع الأفلاطوني في تنشئة الإنسان على الفضيلة، ليس سوى درجة من درجات الخط المتصاعد للجميل باتجاه الجمال المعرفي الأمثل، فهي توحي للمواطنين بـ(الاهتمامات الجميلة)، وللسياسيين بـ(القوانين الجميلة)، وللخطباء بـ(العلوم الجميلة).
   ووصلت ألينا عشرون محاورة أفلاطونية، لكن أول بحث متكامل عن الجميل، هو محاورة (هيبياس الأكبر)، التي عدها الباحثون من أهم المحاورات، وذلك لاحتوائها على أهم خصائص التفكير المنهجي في المسائل الفلسفية، وتنبثق أهمية هذه الخصائص من كونها تجمع إلى فلسفة أفلاطون وأسلوبه الشيق. لاسيما ان سقراط لم يترك أثرا مكتوبا يدل عليه الدلالة التي رسخت في أذهان الناس عن حياته ومماته، ففي حياته كان أنسانا حرا تشتعل بداخله رغبة المعرفة، ومحبة الحقيقة، عاش أنسانا بسيطا، يحترم قوانين مدينته أثينا التي حارب من اجلها، وسعى إلى مقاومة أصحاب مدرسة السفسطائية مثل: بروتاجوراس، وجورجياس جياس، وهيبياس، وغيرهم. ومن ثم ارتبط سقراط بالحكمة وطرافة التعليم وأصالته وإدهاشه، ومن المعروف ان منهجه ينطلق من ان قوى الإنسان العقلية، وأول منظر للعقلانية، كما كان داعية إلى حرية الرأي والتفكير الفردي، مما جعل منه، مثالا يحتذى في كل موروث فلسفي لاحق، فيما ادعى خصومه واتهموه بجحود الآلهة، وبإفساد أخلاق شبيبة أثينا، وأبعدها عن مبادئ الديمقراطية الأثينية، وهكذا حكم عليه بان يتجرع السم وتجرعه راضيا، وفق الحكم الصادر بحقه، وجسد موته من اجل مبادئه مثلا أعلى سيظل على مر العصور، منبعا للإلهام الأدبي والشعري، ومن الجدير بالذكر ان أول مرثية بحقه قصيدة (موت سقراط) المنشورة سنة 1823 للشاعر الفرنسي (لامارتين). حقيقة القول ان سقراط التزم دوما بالتعليم عن طريق الحوار القائم على (الجدل السقراطي) ذي الطابع التهكمي  الساخر، ولم تكن سخريته منفصلة عن غاياته المعرفية التي يرمي الى الوصول أليها، فهي وسيلته لمساعدة محاوريه على اكتشاف الحقيقة بسؤالهم، أسئلة متتالية تجبرهم في نهاية المطاف على ان يحددوا بأنفسهم تناقضاتهم الخاصة، وغالبا ما يبدأ الحوار بمشهد يلتقي فيه سقراط شخصا سفسطائيا يدعي المعرفة، ويتظاهر سقراط بأنه لا يعرف شيئا،  ويختبئ وراء تظاهره بالجهل، وهذا ما    
 افلاطون اغريق سقراط ارسطو الفن يونان اغريق
 يتجلى  في محاورة (هيبياس الأكبر) التي تنطوي على سخرية لماحة يوظفها عن الجميل. وتجدر الإشارة هنا إلى ان (هيبياس الأكبر) بخلاف سائر السفسطائيين لا يتهمه أفلاطون بإفساد الأخلاق أو الدعوة إلى السلوك الرديء الشرير، ومعظم المعلومات ترجع إلى أفلاطون الذي جعله المحاور الوحيد لسقراط في محاورتين، كما أدرجه بين المتحاورين في محاورة (برمنيدس)، وكان ذا اطلاع واسع على كل علوم عصره، وأنتج كثير من فروع العلم والأدب، فألف قصائد مديح ومآس ومراث وخطبا، كما قام بتدريس الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، والميزة الأخرى التي تميزه عن سائر السفسطائيين بأنه من العلماء الرياضيين وينسب له اكتشاف (الفاعل للتربيع) الذي أراد استخدامه في تربيع الدائرة. فمنذ الحوارات الأولى يحدثنا هيبياس عن تنقله في المدن وإرساله كسفير كونه الأكفأ في تقدير الأمور، واخذ الأموال من الشبان بوصفه معلما للدروس الخاصة، وفي هذا الصدد يتحدث سقراط حول السفسطائيين الذين يكسبون مالا بسبب دروسهم وخطبهم، كما فعل (بروديكوس) حينما قدم دروسا للتلاميذ، وخطبا أمام المجالس ووسط تصفيق حاد، وحصل بذلك على مبالغ كثيرة، فيما لم يعتقد أي حكيم من الحكماء الأقدمين ان يطالب بالمال ثمنا لدروسه، وان يعرض علمه أمام الناس على اختلاف أصنافهم، فكم كان القدماء بسطاء، بينما يقول هيبياس وهو يتحدث لسقراط: "لو علمت كم جمعت من المال... فسوف تستولي عليك دهشة بالغة... ذات يوم ذهبت إلى صقلية... جمعت في زمن قصير جدا مائة وخمسين مينا... وعندما عدت إلى بلدي حاملا هذا المبلغ، أعطيته لأبي الذي آخذه العجب والدهشة كما أخذ أهل مدينتي كلهم... وأنا على يقين من أنني حصلت من المال أكثر مما حصل سفسطائيان معا ممن تختارهم"، وهنا يستهزىء به سقراط بقوله "ها هو حقا انه يثبت بوضوح كم يتفوق علمك وعلم معاصرينا على علم القدماء". ومن الأسئلة التي وردت في المحاورة والتي أراد سقراط بها ان يستهزىء بهيبياس فقال له: في مجلس من مجالس النقاش حتى أربكني احد الحاضرين سائلا أياي بنبرة مفاجئة: قل لي يا سقراط، كيف تعرف الأشياء الجميلة، والأخرى القبيحة؟ هيا، هل بوسعك ان تقول لي ما الجميل؟، وكنت أنا الجاهل المسكين، حائرا، في حينها تركت المجلس، ولمست نفسي عازما على أنني عندما التقي واحدا منكم، أيها العلماء المتميزون، سأصغي أليه، وأتعلم منه، وها قد أتيت اليوم، فعلمني بالضبط ما يكون الجميل، وحاول ان تجاوبني بأكبر قدر ممكن من الدقة، حتى لا أتعرض للسخرية، إذ لا ريب في انك تعرف ما الجميل معرفة كاملة، ويبدو هذا جزءاً يسيرا من المعارف الجمة التي تملكها. وكان جواب هيبياس: الجميل هو فتاة جميلة، والفرس، والقيثارة، والقِدر، والذهب، بينما قال سقراط: هو شيء لا يبدو قبيحا في نظر أي إنسان في أي زمان ومكان، فيما فسر هيبياس هذا الكلام بقوله "ان أجمل ما في الدنيا عند أي إنسان في أي مكان وزمان هو ان يكون غنيا، وفي صحة جيدة، ومكرما بين الإغريقيين، وان يصير إلى الشيخوخة، ويتلقى من أولاده مراسيم مأتم مشرفة عظيمة". مما أراد ان يتوصل أليه سقراط عن طريق هيبياس بان القوي والنافع يجسدان المفيد، وهكذا تكون الأجسام الجميلة، والاستخدامات الجميلة والعلم وجملة الأشياء التي ذكرناها سابقا جميلة لأنها مفيدة، والمفيد هو ما نسلم بأنه جميل، وما يولد الخير، ومن ثم يكمل سقراط حديثه عن الجميل فيقول "إذا دعونا جميلا ما يسبب لنا المتعة لا ضروب المتعة كلها، بل تلك التي تأتينا عن طريق السمع والبصر... فمن الثابت ان الناس الجميلين، والرسوم الملونة على اختلافها، واللوحات والمنحوتات، تسحر أنظارنا ان كانت جميلة، كما ان الأصوات الجميلة، والموسيقى بصورة عامة، وصنوف الخطاب، والحكايات تولد الأثر ذاته... فالجميل أيها الصاحب، هو المتعة التي يسببها السمع والبصر"، وفي حوارات آخر يعيد عليه سقراط السؤال: فمن المستحيل ان تكون متعة السمع والبصر هي الجميل، فيرد هيبياس: استنتاجك عين الصواب. ففي محاورة (هيبياس الأكبر) لا يوافق سقراط على رأي هيبياس في مجمل ما ورد من حوارات، بل يسخر منه، ومن خلال الاطلاع على المحاورة نتلمس سقراط الذي أراد ان يؤسس المعرفة على العقل بعيدا عن الميول الفردية والأهواء التي ربط هيبياس آراءه التي تنقل آراء السفسطائيين بعدما فصلوا القيم الجمالية عن ارتباطها بالمعرفة والحقيقة والأخلاق والدين ودعوا إلى حرية التعبير والاعتماد على آراء الإنسان الذاتية والحكم عن الجميل بتجريده من إطاره العقلي. إما فكرة أفلاطون عن ماهية الجميل هي تأكيده على قيمة الجميل من منظور فهم أخلاقي، فالجميل هو الخير، والفن يجب ان يقترب قدر المستطاع من ماهية الفلسفة، وان يكون متجها إلى الحق والى الخير 


نقلا عن عامر صباح المرزوك في صحيفة (المدى)


وصف الــ Tags لهذا الموضوع   المحاورات الأفلاطونية نظرية المعرفة المشروع الأفلاطوني تنشئة الإنسان الفضيلة الخط المتصاعد للجميل المعرفي الأمثل الاهتمامات الجميلة القوانين الخطباالعلوم هيبياس الاكبر غامر صباح المرزوك