انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الفنون الجميلة
القسم قسم الفنون المسرحية
المرحلة 4
أستاذ المادة علي عبد الامير عباس فهد الخميس
13/10/2017 06:15:41
الموضوع: ( مذاهب نقد حديث ) وقت المحاضرة (8.30-10,30) صباحاً اسم القاعة : قاعة رقم (4) المحاضرة الحادية عشر : الملامح التاريخية لمفهوم الحداثة
من حيث المبدأ يختلف العلماء في تحديد المرحلة التاريخية التي بدأت فيها الحداثة. ويرى المؤرخون أن العصر الحديث بدأ مع اكتشاف أمريكا من قبل كريستوف كولمبس Cristoph Colombs عام 1492. وينظر المفكرون أن تخوم العصر الحديث تبدأ مع الأحداث التاريخية الكبرى، التي تمثلت بادئ بدء في اكتشاف جاليلو لمركزية الشمس، وسقوط القسنطينية في أيدي الأتراك العثمانيين عام 1453. وإذا كان التحديث أو العصر الحديث يبدأ مع هذه المؤشرات التاريخية فإن مفهوم الحداثة يتجلى في حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي قادها مارتن لوثر في عام 1517. ومن ثم بدا هذا المفهوم يأخذ أبعاده الفلسفية والسياسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر حيث تتجلى خصائصه في ولادة التفكير الفردي والعقلاني الذي أرسى مقوماته ديكارت ومن ثم فلاسفة التنوير بعامة. وغالبا ما يرتبط عصر الحداثة باختراع الحداد الألماني جوتنبرغ لآلة الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر، هذا الاختراع الذي استطاع أن يبدل ذاكرة الإنسانية، كان سبيل الإنسانية إلى بناء ذاكرة جديدة تعتمد الكتابة سجلا تاريخيا، استندت إليه الأمم، في حركة نهضتها، وبناء تقدمها العلمي والمعرفي. لقد شكل اختراع الطباعة المرحلة التي انتقلت فيها الإنسانية من حضارة المشافهة إلى حضارة الكتابة، وعلى أساس ذلك استطاع الإنسان توظيف التراكم المعرفي في خدمة الثورات العلمية المتعاقبة التي توج في أصل الحداثة. ومن المنطقي في هذا السياق أن يشار إلى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت Rene Descartes (1596-1650) بوصفه أب الحداثة ولا سيما في مجال التفكير الفلسفي. لقد كان لعبقريته التاريخية الفذة أن تؤدي إلى اكتشاف المنهج العقلي الذي قدر له أن يبدد ظلام العصور الوسطى، وأن يحرر العقل من عبودية الأنساق الفكرية وهمجية الأفكار والمعتقدات القدسية التي حاصرت العقل ودفعت به إلى زنزانات العبودية والقهر. فكان لمنهج الشك والشك المنهجي أن يشكل معول الهدم الجبار الذي تناثرت تحت صدماته الأوهام التاريخية التي صنعتها الكنيسة ورجال الإكليروس ورجال الإقطاع على مدى أجيال وأجيال، امتدت لتشمل القرون العشرة التي بدأت منذ القرن الخامس الميلادي. فديكارت أكد روح البحث العلمي الحر والقناعة الفكرية الواعية محل المعتقدات العمياء. والشك المنهجي يعتمد لديه على قواعد هامة تقول أولاها: ألا نقبل شيئا ونعتقد بصحته ما لم يتبين لنا بالبداهة كذلك، وألا نضم إلى أحكامنا حكما ما لم يره فكرنا ببينة واضحة متميزة، وما لم يكن في مأمن من كل شبهة وشك. ومثل هذا المبدأ كما يقول عبد الله عبد الدايم: "لا يصلح به العلم ويقلب الفلسفة فحسب بل يهدم مذهب السنة القديمة والطرق الآلية(...) ويوقظ أفكارا ويحرض الحكم والتفكير". وهذا المنهج الذي ينطلق من الشك ويدعو إليه هو الأصل في تبديد ظلام الأفكار والمعتقدات والأوهام الخاطئة التي رفعت إلى مرتبة القدسية في العصور الوسطى المسيحية. وفي هذه المنهجية وفي ذاك التأثير تمثلت واحدة من أهم لحظات الحداثة ومقوماتها في الحضارة الغربية. عندما دعا فلاسفة التنوير في أوروبا في القرن الثامن عشر إلى تغليب حكم العقل والاهتداء به في الحكم على الأشياء، كانوا يدركون بأن الإنسانية عبر تاريخها اهتدت بالعقل إلى اكتشافاتها وحضاراتها المتعاقبة. ولكن بيت القصيد أنهم كانوا يقصدون بدعوتهم هذه اعتماد المنهج العلمي التجريبي في النظر إلى الكون والوجود والحياة ومن ثم التحرر من أسر الأوهام والخرافات والتحيزات المسبقة التي تضرب أسس التفكير وتشل قدرة العقل في الكشف عن ماهية الأشياء. دعوتهم هذه كانت حربا ضد كل أشكال السحر والتخريف والشعوذة والتعصب التي فرضتها الأنظمة الكنسية الإقطاعية التي وضعت تاريخ أوروبا الوسيط في دائرة الظلام. وفي عصر الأنوار تضاعف ومض الحداثة وبريقها، ولا سيما في نظريات كانط وأعماله الفكرية الفذة. ففي كتابه المعروف ما الأنوار، يحاول كانط أن يحدد طبيعة وماهية عصر التنوير في القرن الثامن عشر. وهو في هذا السياق يبين أن عصر التنوير هو منظومة الوضعيات التي يحاول فيها الإنسان أن يحطم الأغلال التي وضعها هو نفسه في معصمه، إنها الحالة التي يسعى فيها الإنسان إلى تحطيم دائرة الوصاية التي تسبب فيها نفسه بنفسه، إنها في نهاية الأمر العملية التي حقق فيها لعقله التحرر من الوصاية التاريخية التي فرضت عليه من الخارج. هذا ويؤكد كانط في كل أعماله أن شرط التنوير والحداثة هو الحرية، ومن بين الحريات يؤكد على هذه التي تتصل بحرية العقل وحرية التفكير إن الجوهري في مقولات كانط أن العقل يجب أن يتحرر من سلطة المقدس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل كي يستطيع الإنسان أن يبني نهضته نحو الحضارة والحرية والمدنية والحداثة. يعرف الفيلسوف الألماني كانط الحداثة في سياق إجابته عن سؤال "ما الأنوار؟" في مقولته المشهورة: "الأنوار خروج الإنسان من حالة الوصاية التي تتمثل في عجزه عن استخدام فكره دون توجيه من غيره". ولذا كان شعار الأنوار عبارة تقول: "أقدم على استخدام فكرك" وفي عصر الأنوار وما يليه بدأت الدولة المركزية بتقنياتها الإدارية تأخذ مكان النظام الإقطاعي والتأكيد على العلوم والفيزياء الطبيعية التي توجد في أصل العطاءات التكنولوجية، وحيث بدأت الفنون تأخذ ظلالها الإبداعية في أوروبا. وفي هذا الصدد يقول بومدين بوزيد: "البداية الحقيقية لكل حداثة هي تفكيك أسس مناهج تفكيرنا والكشف عن العوائق الإبيستمولوجية التي تحجب عنا عيوبنا المنهجية والنظرية" وحسب الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل(1770-1831) فإن الحداثة بدأت مع "عصر الأنوار بفعل هؤلاء الذين أظهروا وعيا وبصيرة باعتبار أن هذا العصر هو حد فاصل ومرحلة نهائية من التاريخ". لقد أكدت الثورة الفرنسية في عام 1789 حضور الدولة البرجوازية والقيم الليبرالية والديمقراطية التي سجلت نفسها في منطق الحداثة. لقد أدخل التقدم المستمر للعلوم والتقنيات وتقسيم العمل إلى الحياة الاجتماعي بعد التغيير المستمر وانهيار المعايير والثقافة التقليدية. وبالتالي فإن التقسيم الاجتماعية للعمل أدى إلى اتصالات سياسية واسعة، وإلى إحداث نوع من الصراعات الاجتماعية التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرون. وظهرت على التوالي أهمية النمو السكاني ومركزيات المدن والتطور الهائل لوسائل الاتصال والمعلوماتية، هذه العوامل مجتمعة سجلت انطباعاتها في مفهوم الحداثة وأبدتها على أنها ممارسة اجتماعية ونمط من الحياة يقوم على أساسي التغير والابتكار وعلى أساس القلق واللا استقرارية والحركة الدائمة والأزمة. لقد استطاعت الإنجازات الحضارية التي تجسدت بتطور العلوم والتقنيات والتطور العقلاني والمنظم لأدوات الإنتاج أن ترسم حدود الحداثة وتخومها حيث تبدت هذه الحداثة في تكثيف العمل الإنساني، وتأكيد الهيمنة الإنسانية على الطبيعة، وتلك هي خاصة أغلب المجتمعات الحداثية التي أدت إلى تغيير عميق وشامل في شروط الحياة والتفكير في آن واحد، وقد تمثل هذا التأثير في انتقال الحضارة من حضارة العمل والتقدم إلى حضارة الاستهلاك والفراغ.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|