انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

(خصائص اعمال سوفوكليس)

Share |
الكلية كلية الفنون الجميلة     القسم قسم الفنون المسرحية     المرحلة 1
أستاذ المادة علي عبد الامير عباس فهد الخميس       06/10/2017 07:19:09
الموضوع: ( تاريخ فن المسرح ) وقت المحاضرة:(8.30-10,30) صباحاً
اسم القاعة : 7
المحاضرة السابعة والعشرون : (خصائص اعمال سوفوكليس)
أن مسرحية أنتيغون تناقش في داخل حبكتها قضية معقدة ، ليس من السهل حسمها بوجهة نظر فردية أو من خلال تفسير أحادي ، ذلك أنها تتميز بثنائية البناء القائمة علي التقابل بين شخصيات متعارضة ، كما أنه لا سبيل إلي المصالحة في الصراع الذي قام داخلها بين أنتيغون و كريون.
و هذه الثنائية تقوم علي المواجهة أو التقابل بين الشخصيات ، فهناك خصمين لدودين " كريون ، أنتيغون " ، و أختين مختلفتين " أنتيغون ، إسميني " ، و أخوين عدوين " إتيوكليس ، بولينيكيس " و ينقسم هؤلاء إلي فريقين متضادين ، الأحباء في مواجهة الأعداء ، و هذا هو التضاد الذي أسس علي الإغريق كل أفكارهم الأخلاقية و السياسية . و في الوقت نفسه نجد أن الصراع بين الاحباء و الأعداء يدور علي مستوي كل من الأسرة و الدولة ، بحيث تنظر أنتيغون إلي اعتبار المحبة و العداوة إلا في نطاق الأسرة وحدها ، في حين يقصر كريون هذه الاعتبارات نفسها علي نطاق الدولة دون أن يأبه بالأسرة.
يركز سوفوكليس في معظم مسرحياته علي الفعل الدرامي أكثر من الشخصية و بهذا فهو يلتقي مع نظرة أرسطو و التي يري بها أن الدراما هي الفعل و ليست الشخصية و أن لو وجدت الشخصية دون فعلها لما قامت الدراما . و من ثم فإن خطة سوفوكليس و منهجه الدرامي لا يستدعيانه أن يضع علي خشبة المسرح شخصية محورية تكون بمثابة البطل ، بحيث تستولي علي الاهتمام ، و تحتل مكان الصدارة منذ بداية المسرحية حتي نهايتها ، لكنه يستخدم في الموقف الدرامي الذي يعالجه الشخصيات الكفيلة بتصعيد المشكلة حتي ذروتها بغض النظر عن وجودها الدائم علي المسرح .
ان الصراع في مسرحية أنتيغون يدور بين إرادتين حازمتين عنيدتين ، ترتكز كلاهما علي وجهة نظر مختلفة ، يعقد صاحبها اعتقادا جازما أنها الأصوب ، لكن لكل إرادة منهما تصر علي موقفها بتهور و فردية ، حتي النقطة التي تصطدم فيها مع الطرف الآخر صداما لا سبيل فيه إلي المصالحة . و كان هذا الصدام حتميا لأن كل طرف منهما يتميز بالوعي الزائد بالنفس ، و العناد المتأصل الذي يدفع صاحبه إلي تجاهل وجهة نظر المعارضة تماما ، و إلي التعامي عن مزاياها ، بل إنه يرفض أن يري فيها المزايا أو أن يناقش هذه المزايا بموضوعية لو وجدت .
و بسبب هذا الصدام -لابسبب كون الموقف صحيحا أو خاطئا- تقع الكارثة علي الطرفين ، فتلقي أنتيغون حتفها ، و يظل كريون علي قيد الحياة ليتعذب بمصارع من يحبهم ، و يقف علي المغزي بعد أن تتزاح الغشاوة عن بصره و لكن بعد فوات الأوان .
سبب المشكلة بالمسرحية هو الموت و كذلك هو أساس الصراع ، كذلك فكرة لختيار الإرادة بين البدائل ، اتفق معظم النقاد علي أن كريون هو الشخصية التي ينطبق عليها قانون الإثم الأرسطي ، فهو الذي تجاوز الحدود بانتهاكه حرمة الدفن بإرسال نفس حية إلي حتفها دون جريرة ، لذا كان حضوره علي المسرح مستمرا حتي ختام المسرحية من أجل أن تستمد المغزي مما حاق به من مصير.
يعلم سوفوكليس أن هناك قضايا معقدة ليس للإنسان مهما بلغ من الحكمة أن يفرد فيها برأي ، و ذلك بسبب كونها قضايا ذات طبيعة تركيبية خاصة ، تجمع بين ما يخص البشر و ما يخص الآلهة في وقت واحد. إن هدف سوفوكليس هو أن يجعلها نتأرجح في الحكم علي أفعال الشخصيات تبعا لتصرفاتها و ردود أفعالها : ففي مبدأ الأمر نصدم مع الجوقة حينما نري مسلك أنتيغون ، و خشونة طبعها . في حين نميل إلي الإعجاب بكريون بعقلانيته و منطقه المحكم ، لكننا تدريجيا نشعر بالأسي ، و نتعاطف مع الفتاة التعسة ، حتي مع تسليمنا بتجاوزها ، و نحس في الوقت بأن منطق كريون المحكمة ينطوي علي تجاهل للمشاعر الإنسانية و للقوانين الإلهية .
غير ان سوفوكليس بهذه المسرحية لا يدين بقدر ما يعلق ، و لا يبرر بقدر ما يقسر ، بوصفه فنانا دراميا يعرف أكثر من سواه أن مجاله هو عرض المشكلة بأمانة و واقعية و ليس مجرد إصدار الأحكام .
وأهم ما تمتاز به هذه المسرحيات صفتان لم يذهب بريقهما على مر الزمان ولا عبث المترجمين وهما جمال الأسلوب وسمو الفن. ففيها النموذج الحق لعبارات العصر الذهبي المصقولة، الهادئة، الرصينة، القوية في غير إسراف، الجزلة الرشيقة، التي تجمع بين قوة فدياس ورقة برلستيليز. ولا يقل السياق نفسه سمواً عن الألفاظ، فكل سطر قد وضع في الموضع اللائق به، وكل سطر يستحوذ على فكرك ويسير بك إلى تلك اللحظة التي تصل فيها الحوادث إلى غايتها ومغزاها. وقد بنيت كل مسرحية من هذه المسرحيات كما تبنى المعابد يصقل كل جزء منها على حدة، ولكنه يوضع في مكانه اللائق به من البناء كله، إذا استثنينا فيها عيباً واحداً هو أن المؤلف في مسرحية فلكتيتس يقبل في غير جهد فكرة إنزال الآلهة بالآلات (وهي فكاهة من فكاهات يوربديز) ويعدها حلاً جدياً للعقدة المستعصية على الحل. وأهم النقاط البارزة في حبكة هذه المسرحيات، وفي مسرحيات إسكلس، هي أولاً انتقام لغطرسة شديدة وسفاهة في أحد الفصول (كلعنة أوديب للقاتل المجهول)، ثم معرفة فجائية لحقيقة كانت قبل غامضة، ثم تعثر الحظ، ثم الانتقام الإلهي والعقاب المحتوم. وكان أرسطو طاليس يتخذ "أوديب الملك" مثلاً للمسرحية الكاملة البناء الخالية من النقص؛ وإن مسرحيتي أوديب الأخريين لتوضحا أتم الوضوح تعريف أرسطو للمسرحية، وقوله إنها تطهير للرحمة والفزع بعرضهما عرضاً موضوعياً. والشخصيات هنا مصورة تصويراً أوضح من شخصيات إسكلس وإن لم تبلغ في واقعيتها مبلغ شخصيات يوربديز. وفي ذلك يقول سفكليز نفسه: "إني أصور الرجال كما يجب أن يكونوا، أما يوربديز فيصورهم كما هم"، وكأنه يعني بهذا أن التمثيل يجب أن يتجه إلى حد ما نحو المثل العليا، وأن الفن يجب ألا يكون تصويراً شمسياً. ولكن أثر يوربديز يظهر واضحاً في النقاش الذي يدور في الحوار، وفي استغلال العواطف في بعض الأحيان؛ وشاهد ذلك أنا نرى أوديب يغفل صفاته الملكية ويحاج تيرسياس Teiresias، ونراه حين يفقد بصره يتحسس أوجه بناته تحسساً يبعث الحسرة في النفس. أما إسكلس فلو أنه كان في هذا الموقف نفسه لنسي البنات وأخذ يفكر في قانون من القوانين الخالدة. وسفكليز أيضاً فيلسوف وواعظ، ولكن نصائحه لا تعتمد على رضاء الآلهة بالقدر الذي تعتمد به عليها نصائح إسكلس. وسبب ذلك أنه قد مسته روح السوفسطائيين، وهو وإن كان يستمسك بأصول الدين يظهر في مسرحياته أنه لولا أن الحظ قد واتاه لكان هو ويوربديز سواء. ولكن حساسيته الشاعرية الشديدة التي تمنعه أن يتلمس المعاذير لما يصيب الناس من ضر لا يستحقونه في أغلب الأحيان. انظر مثلاً إلى قول ليلس Lyllus أمام جسم هرقل وهو يتلوى من شدة الألم: "نحن لم نقترف ذنباً، ولكننا نقر بأن قلوب الآلهة خالية من الرحمة، فهم يلدون الأبناء، ويطلبون أن يعبدوا باسم الآباء، ولكنهم ينظرون إلى أبنائهم نظرة مليئة بالأحقاد". وهو ينطق جوكستا بالسخرية من النبوءات، مع أن مسرحياته تدور حول هذه النبوءات نفسها وتبدو فيها واضحة؛ وترى كريون يندد بالمتنبئين ويقول عنهم إنهم "طائفة لا هم لها إلا جمع المال"، ويسأل فلكتيتس السؤال القديم "كيف نبرر تصرفات السماء إذا كنا نجد السماء ظالمة؟" ويجيب سفكليز عن هذا السؤال إجابة تبعث الأمل في النفوس فيقول إن النظام الأخلاقي في العالم أدق من أن تفهمه عقولنا، ولكنه نظام قائم بالفعل، وستكون الغلبة فيه للحق في آخر الأمر. وهو يحذو حذو إسكلس فيرى أن زيوس هو نفسه النظام الأخلاقي، وهو يقترب من الوحدانية أكثر مما يقترب منها إسكلس نفسه. ويشبه الصالحين من الإنجليز في عصر الملكة فكتوريا، فتراه قوياً في إيمانه بالأخلاق الفاضلة وإن كان غير واثق كل الثقة من دينه، ويرى أن أرقى أنواع الحكمة أن نعرف القانون الذي هو زيوس، المرشد الأخلاقي لهذا العالم، وأن نتبعه متى عرفناه.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم