الاتجاهات الاخراجية في المسرح العالمي
تتحدد معطيات العرض المسرحي تبعا لرؤية المخرج واتجاهه ، فهناك نوع واحد من الدراما ، ولكن هناك عدة اتجاهات من حيث المعالجة ، ولا بد ان يكون هناك اتجاه اخراجي مناسب لكل مذهب درامي ، كما يكون هذا الاتجاه ، نابعا من فكر المخرج نفسه .
وبما ان الاخراج المسرحي فعالية ابداعية مدركة وذو صلة وثيقة بطاقة الخيال، فلا بد من ان تكتمل الصورة المسرحية من خلال عناصر العرض التي تحتوي هذا الاخراج، فلا يقوم العرض المسرحي بدون تاسيس على كلمة، مهما كانت اهميتها، ومهما كان مضمونها الفكري، ولا قيام لعرض مسرحي بدون فنانين يحملون هذه الكلمة ويجسدونها ويوصلونها لفظا ومنطوقا ومضمونا للمتلقي، ومهما كانت وسيلة التعبير عندهم فقد يكون التمثيل بلغة الصمت و التكلم او الرقص بانواعه او الغناء او العزف او كليهما معا. اما التعبير فهو ايضا عنصر مهم، فالفنانون الذين يصممون الديكورات ، والذين يضعون الازياء والموسيقى والاضاءة لهم دورهم ايضا. اما المتلقي فهو العنصر الاخر الذي لا يقل عن سابقيه درجة من حيث الاهمية ، والمشارك في صياغة الصورة المسرحية، ومهما كان نوع هذا المتلقي او درجته فان له تاثيرا كبيرا ومهما في وضوح الصورة التركيبية للعرض المسرحي . الا ان المشكلة تتعلق باتباع الكيفية الاسلوبية التي على وفقها يصار الى تقديم العرض المسرحي الذي تتوفر فيه كل مستلزمات الخلق الفني والجمالي من منأى عن التقليد. فمثلا عندما يتبع المخرج الاتجاه الواقعي يفترض ان يكون العرض مزدانا بشئ من السمة التعبيرية الدالة لكي لا يكون العرض منسوخا بنحو الى رقيب، او حينما يلجأ الى الاتجاه التجريبي، فينبغي ان يكون العرض محتشدا بالصور غير التقليدية، أي ان يكون ذا نزعة تجريبية عائمة بالقيم الفنية والجمالية التي تسرد ذهن المتلقي وتمتصه .
يقترن مصطلح الاتجاه بمصطلح (الاسلوب) الذي يعرفه ايفرت أم شريك وريشارد موريل بانه " طريقة التعبير او حالة التعبير التي يتعامل معها الفنان مع مادته الفنية لتحقيق الابداع المطلوب وهو البصمة الشخصية التي يضعها الفنان على عمله " .
ويحدد (الكسندر باكشي ) اتجاهين في الانتاج المسرحي يخص جميع جوانب العرض ( التمثيل ، الاخراج ، الاضاءة ، الازياء وملحقاتها ) وهذان الاتجاهان هما :
1- التمثيلي الذي يعتمد على تمثيل الحياة على خشبة المسرح بعوامل الايهام المختلفة .
2- التقديمي : الذي يعتمد على تقديم صورة ممسرحة للحياة على خشبة المسرح من غير استخدام عوامل الايهام .
وهناك اتجاه ثالث يجمع بين الاتجاهين .
ويذكر المؤلفان نفسهما في مكان اخر من كتابهما ان هناك اسلوبا تركيبيا استخدمه الروسي فيزفولد مايرهولد واسلوب التمسرح الذي لجأاليه الالماني ماكس راينهارت والاسلوب الرمزي الذي اعتمده جوردن كريك . وبناءا عليه يمكن تحديد الاتجاهات الاخراجية بشكل دقيق وواضح ، ولم تتطرق المراجع الى ذلك التحديد وركزت في غالبيتها على الاتجاهات والمدارس والاساليب في التاليف المسرحي ابتداءا من الكلاسيكية القديمة للاغريق ومرورا بالرومانتيكية والواقعية والطبيعية والرمزية والتعبيرية والسريالية وانتهاءا بمسرح العبث بل وحتى اتجاه المسرح الملحمي والمسرح الوثائقي لبرتولد برخت و بيتر فايس انما يخص التاليف اولا وليس الاخراج . ومع ذلك يمكن ان يتطرق البحث الى سمات بعض الاتجاهات الواضحة في المسرح الاوربي الحديث .
لذلك على المخرج ان يستخدم اسلوبه بشكل مناسب والعرض المسرحي المراد تقديمه وفق المكونات الظاهرة التي تشمل الازياء، والديكور، والموسيقى …. الخ من العناصر المسرحية الاساسية للعرض المسرحي، والمكونات غير الظاهرة التي تشمل كل افكار المخرج التي تبقى في ذهنه.
ليوبولدجسنر *
تعرف التعبيرية " هي مذهب الانفعالات والاحلام ، وهي تعبر عن انفعالات واحاسيس ودواخل الشخصية يطرحها بشكلها التعبيري الذي يقدمه في عمله الفني . اما التعبيرية تبحث عن حقيقة الانسان الداخلية ، فهي تلمس منه الروح والجسد والنفس والحس في وقت واحد ، وقد حاول التغلغل ال الاعماق الدفينة في الانسان بكل ما يختلج فيها من ظلال واسرار واحساسات مبهمة وضلوا التدفق المحموم على الوضوح الصارم والتشوه والعنف على التعقل والنظام " يعد (جسنر) المسرح التكامل الوحيد لعديد من الفنون ، ولهذا يسعى الى "استنباط معاني جديدة من خلال التعبيرات الفنية الجديدة . ويقول ايضا ان المخرج هو رجل المسرح القادر على اكتشاف اشكال جديدة للمسرح ، وان هذه الاشكال الجديدة يمكن ابداعها من خلال حرية المخرج في اعادة النظر في تتابع النص المسرحي ، حسب التفسير الجديد" .
يذهب (جسنر) على العكس من المخرجين التعبيرين الذين اتجهوا كلية الى نصوص الكتاب التعبيريين المعاصرين ، فانه " يبحث عن تراث السابقين عن اعمال يقدم لها ، من لال اتجاهه في الاخراج ، تفسيرات معاصرة ، تعالج القضايا التي تطرحها اللحظة السياسية والاجتماعية ، فقدم شكسبير ، مولير ، شلر وغيرهم " . ونستطيع ان نجد في (جسنر) تطبيقا واظحا وقويما ومقبولا للتفسير المعاصر للنصوص السلفية ، دون ان يكون هذا من خلال تشويه النص، او تزييفه ،او اقتباسه ، بل من خلال تصوره للديكور والازياء ومن خلال الاداء الموجه توجيها علميا ومن اهم الاعمال التي تقوم دليلا على اتجاه (جسنر) مسرحية (هاملت) لشكسبير حيث تقدم الامير هاملت كثائر فوضوي ضد مجتمع متفكك ومنهار .
يمثل الممثل بالنسبة لجسنر كونه حامل للفكرة اكثر من مفسر لها ، ولا يجسد الشخصية نفسها انما يكون مترجما لحالات الروح ، فضلا عن اكتساب اداءه الفيزيقية بالدرجة الاولى ، ولهذا فان الممثل اقرب ما يكون للراقص الذي يعبر بكل عضلة في جسمه عن معاني الرقص ، فالجسم الانساني شكل وكتله يجب ان يتوافق مع حالة الروح لكي يتوصل الى ترجمة بلاستيكية لهذه الحالة .
اتجاهه في الاخراج ، الذي يستغني فيه عن الديكور الواقعي " كقسمة بارزة لمجموعة سلالم التي اشتهرت باسم (ليسنر تربك) – أي سلالم ليسنر- " . وتميز ذلك في مسرحية (رتشارد الثالث ) لشكسبير . ويفضل خشبة المسرح العارية ، حيث لا ديكور يجذب اهتمام المتلقي ويصرفه عن التركيز على اداء الممثل ، وكثير ما يلجأ الى استعمال مركب عظيم من الدرجات ، تتحرك عليها الشخصيات ، ايما كان النص . وتعتبر المسرحية اعلاه كمثال مهم لاتجاهه الاخراجي ، حيث تجري الاحداث الرئيسة لهذه المسرحية كلها على مركب الدرجات العظيم الذي يشغل وسط المسرح ، وقد غطى باللون الاحمر (لون الدم) ، دون ان يعير أي اهتمام للمعطيات التاريخية في الديكور او الازياء ، بل يكتفي بالتكثيف اللوني الذي يوضح تفسيره .
تقدم الاضاءة "لا بشكل عام بل اضاءة مناطق ، او بقع او فلاشات ، يجب ان تعزل الممثل عزلا كاملا عن العالم الذي يحيط به ، وقطع علاقاته نهائيا بالعالم الخارجي وبالشخصيات الاخرة .. انها اضاءة قوية ولكن مركزة ومحددة .. تهيء مناخا رمزيا وتعبيريا. وهي تعادل المنظر المسرحي ، وتخلق علاقات وانكسارات بين الشخصيات ، وهي تتبع الاحداث لا لتضيفها وتوضحها ، ولكن لتفسرها في مراحلها المختلفة " .
اما بقية العناصر المسرحية فانها توظف " التركيز على روح الدراما ، بما يؤدي الى شكل من اشكال الانصهار بين هذه العناصر والدراما نفسها " .
4- اتجاه مسرح (القسوة)
تعرف القسوة انها "مؤشرات روحية ، لها معان محددة تصب المتلقي بالايماء، ولكن في قسوة يستحيل التعبير عنها في لغة منطقية قابلة للمناقشة" . كما يريد للمسرح "ان يخترق الحياة من وجهة نظر جديدة كل الجدة : خسوف الانسان .. تصوير النهاية السوداء التي الت اليها حال المجتمع الانساني .. كذلك يجب ان لا يعكس الحقيقة على المجتمع ، كما لو انه يريد نفسه في المرآة حسب نظرية الاخلاقيين ، ولا يجوز ايضا ان يدخل للمجتمع مدخلا اخلاقيا او سياسيا فالمسرح يجب ان يتحول الى نار محرقة (طاعون بين البشر) ، ووسيلة التعبير هي الصور الفيزيقية القاسية التي يجب ان تتوصل الى تقويم جهاز الاحساس عند المتلقين ، كما لو ان قوة عليا تسيطر على صالة المسرح ، الى درجة تفقد الانسان المتلقي وقتيا سيطرته العقلانية ، وتجعله يعيش حالة ثورية هدامة على الذكاء الانساني " . وبهذا نتلمس بان المخرج يريد تحول الحياة الواقعية الانسانية الى حياة سرية ميتافيزيقية روحية بدائية . ويعد ارتو صاحب هذا النوع من الاتجاهات.
انتو نين ارتو*:
يعد (ارتو) واحدا من المخرجين المسرحيين الذين دعوا ضمن دعواهم الى مسرح يبتعد عن الزيف والنمطية السائدة ان ذاك اذ اراد لمسرحه ان يكون اشبه بمحرقة، طاعون بين البشر، ووسيلة التعبير هي الصور الفيزيقية القاسية التي يجب أن تتوصل إلى تنويم جهاز الأحساس عند المتلقين، والقسوة لا يقصد بها ذلك النوع من القسوة (السادية) وانما القسوة التي تصدق بين الناس جميعا بحكم خلوها من الدوافع الشخصية ومن التعقل. وهذا الاتجاه الذي يتحقق به هذا الهجوم العنيف على ما هو شائع ومالوف، والممثل بالقسوة والأحوال القاسية التي يعيشها الإنسان هو اتجاه يتضمن قدرا هائلا من الصلابة يفوق صلابة الحياة نفسها، كما يتضمن هذا الأتجاه فكرة أن الكلام وسيلة من وسائل الاتصال لان الكلام يعد من أدوات التعبير المسرحي حسب رأيه، ومن ثم فانه لا مكان له في المسرح .
لقد دعى ارتو الى وظيفة جديدة للمسرح ، فقد عد الوظيفة الرئيسة لمسرحه "هي طرد الأوهام والخيالات" . واعتبار المسرح وظيفة نفسية وأخلاقية ثانوية، والاعتقاد بان الأحلام نفسها ليست سوى وظيفة تعويضية فقط، فيجب التقليل من التأثير الشاعري العميق لأحلام والمسرح الى حد سواء.
لذلك فان استخدام أسلوب (الحلم) امر أساسي في دراما (ارتو) فقد مكنه هذا الأسلوب من استخدام الحوار في اطار مسرحي بحت بعيدا عن مقتضيات الأسلوب الأدبي، ومكنه أيضا من أن يعلل استخدامه للرموز الهيروغليفية وسيلة لنقل أفكار معينة عن طريق الاتصال البصري، فضلا عن ذلك باستخدام هذا الأسلوب استطاع أن يقدم الأشباح والدمى وغيرها. ومن اجل ذلك كان مسرح (ارتو) يدعو الى الأسطورة والسحر والميتافيزيقية . يفهم الباحث أن هذا المسرح الذي يدعو اليه (ارتو) مسرح يدري أحداثا غير اعتيادية مسرح يدعو الى اللاشعور الداخلي من اجل أيقاظ الجمهور.
يتعامل (ارتو) مع النص المسرحي في ثلاث مراحل مختلفة :-
" المرحلة الأولى: وضع النص في مكانه عالية، فاحتفظ بمقام النص وجعله في الصدارة، ومعناه الخضوع للمؤلف، والخضوع للنص في العرض المسرحي.
المرحلة الثانية: كف عن الدفاع عن فكرة عدم المساس بالنص، ونفى حرفية النص لصالح روح النص ، وتلا هذا الشئ ،حرية المخرج، حرية العقل المطلق، استبدلت سيادة النص، شيئا فشيئا، سنطلب من الإخراج، لان النص أن يعنى بتجسيد الصراعات القديمة.
المرحلة الثالثة: استبعاد النص، والتعويض عنه بالصراخ والالتواءات ، يفعل بالنص ما يحلو له، وهذه المرحلة أذل فيها النص، وشوهه، وافقده صفاته الرئيسة تدريجيا" .
يعد الممثل عنصرا له "أهمية بالغة، ما دام نجاح العرض متوقفا على ادائه، وعنصرا سلبيا، ما دامت كل مبادراته الشخصية مرفوضة له رفضا باتا" . سواء كان ذلك بالحوار، او عن طريق التمثيل الصامت لنقل الأفكار التي يريدها المخرج عبر الخيالات والأوهام.
أراد من الجمهور ان يكون تواقا للغموض، ومتنبا بظهوره، فالمتلقي يجلس في مسرح القسوة في الوسط، في حين يحيط العرض به. فضلا عن ان الجمهور يجب أن يعي الأفكار الجليلة والمقصودة المتعلقة بالقسوة، من خلال لغة يفهمها عن طريق نظره جمالية لارتو. فالمسرحية على وفق رأي ارتو لا بد ان تتغير شكلا ولغة حتى تتضح للجمهور ، لذلك عمد مسرح ارتو الى إشراك المتلقي في العمل المسرحي اشتراكا فعليا كاملا .
دعا ارتو الى فضاء مسرحي جديد يقوم على نبذ خشبة المسرح والصالة معا، واستبدلهما بمكان واحد، بلا حواجز من أي نوع، ليصبح المسرح الأحداث نفسها، ويعيد الاتصال المباشر بين المتلقي والعرض، والممثل والمتلقي، نظرا لان المتلقي الذي وضع وسط الأحداث، محاط ومتاثر بها. والديكور لا وجود له بالمعنى العادي، بل هنالك شخصيات هيروغلوفية، أزياء شعائرية،ومانيكينات طولها عشرة امتار واقنعة ضخمة وآلات موسيقية في حجم الانسان، وأشياء مجهولة الشكل والغاية .
استطاع ارتو من خلال بحثه الدائب عن انماط وطرق جديدة للاضاءة تعتمد على نشر آثار الذبذبات الضوئية على شكل موجات، او طبقات، او قصف بالسهام النارية. ولكي توجد أنواعا خاصة من الألوان، علينا أن ندخل في الضوء ثانية، عناصر الدقة، والكثافة، والسمك… الخ، لتوجد الحر، والبرد، والغضب، والخوف وغيرها.فضلا عن ذلك فقد دعا الى الابتعاد عن الزي المسرحي الحديث قدرا من الإمكان لا حياءا بالقديم، بل لان بعض أنواع الأزياء ذات غاية شعائرية ترجع الى آلاف السنين، وان كانت قد قدمت في لحظة لا تزال تحتفظ بجمال مظهرها لدلالتها، ولقربها من التقاليد التي أوجدتها .
5-اتجاه المسرح التسجيلي (الوثائقي)
يمثل الاتجاه التسجيلي موقفا من المجتمع ويلتزم به ، وهو بطبيعة الحال موقف واضح في جانب الجماهير ، وعلى وجه الدقة من جانب الطبقات المستغلة. ويدخل في التزام رجل المسرح التسجيلي امر توصيل المسرح الى هذه الطبقات ، بعد ان كان متاحا فقط للطبقات البرجوازية التي تعتبر المسرح مجرد نزهة ليلية ، ومن هنا لابد من طرح عملية الانتاج المسرحي على بساط الدراسة من جديد ، سعيا الى تخطيط جديد يضع في اعتباره الوظيفة الجديدة للمسرح ، سواء بالنسبة لاختيار النصوص او طريقة اخراجها . ويعد ( بيتر فايس ) صاحب المسرح التسجيلي .
بيتر فايس*
يمكن تلخيص منطلقات المسرح الوثائقي التي اعتمدها بيتر فايس بما يأتي :
1- يعتمد المسرح التسجيلي على تقارير حقيقية .
2- موضوعاته سياسية او اجتماعية .
3- تتقرر نوعية وبوجهة نظر وبواسطة التحرير .
4- يتسامى على التقارير الصحفية التي تتعرض للتمرين من قبل المسؤولين عن الاعلام .
5- يتبنى موقف المراقب للاحداث .
6- يستخدم المجموعات وليس الاشخاص واستحضار الاجواء . ويلجأ الى الكاريكاتيرية والى المواقف المبسطة ليكون واضحا ويستخدم الاغاني والجوقة والتمثيل الصامت والاقنعة والمؤثرات الصوتية والتعليق .
7- يخرج خارج المباني التقليدية للمسرح التي تخضع لسيطرة السلطة . ويذهب الى المعامل والمدارس والملاعب والصالات العامة .
8- يتحقق المسرح التسجيلي في سياق الطبقة العاملة والئات التي لها اطار سياسي او اجتماعي .
9- يقف بالضد من النظرة العبثية للحياة . اذ انه يؤكد الواقع .
6- الاتجاه الملحمي :
يلجأ اتجاه العرض الملحمي الى تجمعات بسيطة مختلفة على خشبة المسرح ، لتصوير معنى الاحداث ، وهو المعنى لذي ندركه ونحيط به بمجرد نظرة واضحة سريعة ، وفي سبيل هذا فاننا لا نلجأ الى التجمعات المنقولة بتلقائية التي تقدم صورة مخادعة للحياة . وليست وظيفة المسرح ان يصور الاوضاع غير الطبيعة في العالم ، ولكن وظيفته هي عكس ذلك فالغرض المنشود هو اقامة الاوضاع الطبيعية . فالذي يقلل الاوضاع الطبيعية في الواقع هي وجهة نظر تاريخية واجتماعية . وعلى ذلك فان المخطط للاخراج الملحمي يجب ان يضمن رصدا تاريخيا للسلوك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي . ويمثل ( برخت ) اساس هذا النوع من الاتجاهات .
برتولد بريخت* :
يعد (بريخت وزميله بسكاتور) مؤسسي (نظرية المسرح الملحمي) والتي تخالف في قواعدها نظرية (ارسطو) المعروفة التي تعتمد على مبدأ التطهير، وقد افاد (بريخت) في نظريته تلك من الفنون المسرحية في الصين والهند واليابان، والمسارح الشعبية في النمسا، ولكنه لا يعني انه ارتكز بمسرحه على تقاليد المسارح الكلاسيكية، بل تقوم على الشمول والتكامل في كل جوانبها سواء كان في التأليف او التمثيل او الاخراج وتقدم مفهوما للمسرح غايتها بناء العلاقة بين المسرح والمجتمع، فاراد بريخت ان ينقل المتلقي، وان يجمع امامه صورتين في آن واحد الصورة المسرحية وصورة المجتمع وتكامله – أي ان المتلقي يجب ان يفكر ولا يتعاطف. هذه العلاقة الجديدة بين المتلقي والمسرح والمجتمع هي التي اوحت للمصطلح الملحمي لمسرحه للتفريق بينه وبين المسرح الدرامي، وايضا عن المنطلق نفسه الذي اتبعه سابقه (بسكاتور) على ان المتلقي يقف موقفا سلبيا، وانه يجعل الاحداث غير قابلة للتغيير، وبذلك فان المتلقي يجب ان يؤدي دورا فاعلا في العرض المسرحي وان يبحث موقفا نقديا لما يرى ويسمع، ومخاطبة عقل المتلقي وليس مشاعره، لان المتلقي قابل للتغيير باستمرار .
إن المسرح الملحمي هو مسرح سردي لا يمثل الاحداث، بل يعرض بصورة متسلسلة حيث يترك لكل مشهد كيانه المستقل من دون أن يرتبط بما قبله أو بعده، مما يؤدي إلى إن الحوادث تسير إلى غايتها بخط منحن. فضلا عن انه يروي الأحداث نفسها كصور لما في العالم ويقدمها كموضوعات متعددة، كذلك له خاصية التحول المباشر من العرض إلى الشرح والتدقيق، ويقوم كسر الإيهام وكسر الاندماج الكامل. أي انه يقول للمتلقين لا تشاهدوا أحداثا حقيقية لحظة مشاهدتها، بل قصصا حدثت في الماضي، ويعتمد المسرح بدوره على عنصرين مهمين رئيسين هما:
1- التغريب: هو عملية جعل الاحداث والشخوص غريبة والقصد منها هو تهيئة المتلقي ووضعه على مسافة نقدية. للنظر الى الظاهر بعين النقد من اجل التصحيح، ولهذا تقنية الاحداث الاجتماعية والانسانية المطلوب تصويرها وتسميتها، على اعتبارها شيئا يدعو للتفسير والايضاح لا مجرد امر طبيعي، مألوف .
2- الجست (guests) : وهو الحركات والإيماءات الاجتماعية. والحركات لا تعني فقط حركة الممثل وردود افعاله والعابه الجسمانية. وانما الحركة والكلام والموقف والموسيقى التي تكتشف ليس فقط بالوسائل السايكولوجية بل عبر التصرفات والحركات ايضا. ان عملية (الجست) هي عملية تشبه بفكرة توحد عناصر العرض، اذ تتخذ الحركة واللغة التعبير عن حالة واحدة مشتركة لا يمكن تزييفها، وقد تكون الاشارة الحركية الدالة صورة لحادثة قصيرة من المسرحية، ومن ناحية المفهوم فان عنصر الجست، يستند الى ان يكون الفعل المرئي والايحاءي والاشاري، اقل عرضة للتزييف من اللغة .
يعد الاخراج هو "الاسلوب المناسب في تقديم الاعمال المسرحية، من خلال الجمع بين الكلمة والموسيقى والصورة. اسلوب تجريبي يتم بالتزمت وضيق الافق. كذلك لم يستق اسلوبه من تكييف المواد بل من موقف المتلقي، ومن ثم فانه اسلوب ليس كالعادة لا يتطور من خلال العمل بمفرده او من التقاليد القائمة في تقديم العرض، وانما يسعى هذا الاسلوب الى تحديد وتحقيق المتطلبات الاجتماعية. اما المصطلحات التي استخدمها كالمسرح الملحمي والتعليمي…الخ. فهي ليست عقائد شكلية، وانما مراحل تجريبية لا ترمي الى الغاء الدراما بل الاحرى الى تقديم القاء جديد للدراما مع المتلقي هو اكثر الزاما من الدراما التقليدية" .
اصبح النص المسرحي لديه لا يتناسب مع الطريقة الارسطية، وكذلك مع شان هذا العصر المتحول، والذي يعيش في عالم متغير، فجاء بنصوص ملحمية قاصدا اهدافا عملية. يبني من خلالها العلاقات المتغيرة بين الناس وعبوديتهم للظروف الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم ايقاظ فهم للثورة والتصدي لها والعمل على تغييرها من خلال التوعية والتثقيف. فوظيفة المسرح لا تشمل تصوير الاوضاع غير الطبيعية، بل اضافة الاوضاع الطبيعية في العالم. كما اعتمد في نصوصه على الاسلوب التعليمي، الذي يضع المسرح في خدمة الحقيقة الاجتماعية سالكا منهج (بسكاتور) في طرق الاخراج، واستخدم الوسائل الجديدة في التاثيرات المسرحية ليس هذا فحسب بل أعتمد على الاسلوب الترفيهي من خلال اقترابه من ساحة السيرك، حيث لا يتقمص المتلقون ما يرونه، الا ان الفارق بين قائمة المسرح المعمول في الاسلوب التعليمي وساحة السيرك، هو ان المسرح يقدم عرضا انسانيا لاحداث تاريخية جرت في الماضي .
على الممثل في مسرح (بريخت) ان يتجنب الاندماج في دوره، وان يظل مدركا بانه يمثل دورا ولا يقدم الحقيقة- أي ان الممثل يؤدي حواراته على نحو سردي، يسرد افعالا قام بها شخص اخر في زمان سابق ، فالممثل يجب ان يؤدي دوره بمعزل عن تقمص الشخصية، ولمنع هذه العملية، حدد (بريخت) ثلاث وسائل تمكنه من ذلك هي:-
1- النقل على لسان الشخص الثالث.
2- النقل بالزمن الماضي.
3- قراءة الدور الى جانب التعليمات والملاحظات .
إن الممثل يجب أن يكون قادرا على الإيماء في لحظات مناسبة (انه يمثل بطبيعة تمكن الانسان من رؤية المنحى الآخر للحدث)، بحيث تجعل التمثيل يسمح للمتلقي بحث الاحتمالات الأخرى الى الحد الذي يبدو معه أي حدث واحد من حملة الاحداث المتنوعة- أي يريد ان يكون موقف الممثل موقفا واعيا وعقليا واستعراضيا، وهذه الطريقة تعارض مبدا (ستانسلافسكي) الذي طالما أصر على أن يكون الممثل وحيدا تماما مندمجا في ذاته، ثم بعد ذلك تدخل الشخصيات في علاقة مع بعضها الاخر على أساس ان طبيعة الشخصيات التي تقرر نوع العلاقة ما دامت الشخصية المفردة هي الوحدة الاساسية .ندرك من خلال ذلك ان المخرج يريد ان يكون علاقة بين ممثل واخر، وليس هناك علاقة فردية واحدة كما فعل (ستانسلافسكي) الذي اراد بها ان تكون هذه الشخصية المفردة، لذلك عمل ان يكون كل شئ ملاصقا في عمله ودوره واتقانه مع الاخرين، ومن ثم تحقيق الاسلوب الذي يبغيه.
يعد الجمهور عنصرا ضروريا ومنتجا متميزا في فن المسرح ، لان المسرح عنده ماهية متكاملة من خلال عناصر العرض المختلفة، والجمهور هو احد هذه العناصر. ولكي يتطور فن المسرح، لابد من تطوير الجمهور وجعله عنصرا منتجا فعالا، يقف موقف الناقد للاحداث، لا المتلقي الغارق بالايهام، لهذا فالعرض بدون متلق، لا يشكل الا نصف عرض…والمتلقي الذي استدرج الى العرض المسرحي يجب ان يكون مشاركا في المسرح . نفهم ان المتلقي يجب ان يكون مثقفا وواعيا لمجال الفن المسرحي، لكي يستطيع ان يكون ناقدا مميزا، وبدوره يستطيع ان يحلل أي نوع من الانواع المسرحية التي يشاهدها بيسر، فوجوده في العرض المسرحي مهم للغاية، وهذا الاخير بدوره الى المتلقي يكون الخلفية الفنية بكل مكوناتها الفكرية والاجتماعية بقصد التفسير والدراسة، والكشف عن العيوب من اجل الدعوة الى التغيير، لكون الانسان متغير ومغير في الوقت نفسه، ومن ثم تحقيق نظرية متكاملة من جميع النواحي ومن ضمنها عنصر الجمهور.
تاثر (بريخت) في "استخدام اسلوب المنظر بعض الشئ بالمخرج (كريج) فقد ادرك الاخير خلق صورة رمزية تحل محل المنظر المرسوم للغابة الكاملة. وذلك لانه ادرك ان التفاصيل غير الضرورية تستحوذ على اهتمامنا بلا ضرورة. اما (بريخت) فلم يستخدم هذه الطريقة في المناظر المسرحية فحسب، بل عمل بها حتى مع الممثل عندما ينظر اليه من وجهة نظر المتلقي. فهو يلغي العاطفة المصطنعة وكذلك يلغي ايضا تطور التشخيص وتنامي المشاعر لدى الشخصية، لانه ادرك ان عدم الغائها سيؤدي الى عدم الوضوح المغزي والذي نريد ان نصل اليه" .
انه يرفع الستار في مسرحه، من اجل اتاحة الفرصة للمتلقين ان يروا استعدادات الممثلين مباشرة، مثل بداية العرض المسرحي، كما يرفض المنصة الثابتة باساليبها فيقول:" يجب ان نبني المنصة في كل عرض مسرحي بطريقة جديدة تنسجم وطبيعة المهمة التي يسعى اليها فريق العمل بشكل عام فلا ثبات وكل شئ يجب ان يكون موحيا ورمزيا وهادفا ومتغيرا" . والعوامل التي تعمل على نجاح مهمة مصمم المنصة، كيفية تصوير المكان والتاثير المتبادل في المنصة والممثلين وانعكاسه على التصميم وعلاقة الديكور بوصفه وسطا جماليا متصلا بسائر الاوساط الجمالية الاخرى. وبهذا فان استخدام (بريخت) للمنظر المسرحي لم يكن محددا باسلوب واحدا وانما متغير تبعا لتنوع عروضه المسرحية، ومتغير ايضا تبعا لما يحدث من تغير في هذا العالم المتغير الذي يخضع له.
تتوزع الاضاءة بشكل محدد، والتي تتمثل بالاضاءة الفيضية على خشبة المسرح، حتى في مشهد الليل، ولا يعطي للمتلقي فرصة الاستغراق في احلام اليقضة او الشعور بنفسه انه مرتبط بالظلام مع غيره. كما دعا الى ان تكون اجهزة الاضاءة مرئية من الجمهور، كل ذلك من اجل تحقيق مبدا التغريب .
تعد الموسيقى عنصرا مهما جدا في العرض المسرحي ووسيلة من وسائل التغريب ، فهي تساعد الممثل على اظهار المعنى الباطني الاجتماعي والاساسي لمجمل علاقات الحدث المسرحي. كما تدخل في بناء حبكة العرض بوصفها وحدة من وحدتها العضوية، وتسهم في ابراز مضمون العرض ايضا، بمعنى اخر ان هذا العنصر لم يعد مؤثرا صوتيا يسعى الى خلق جو في المسرحية ياتي منسجما مع الجو الذي يعرضه الحدث المسرحي، وانما يسهم في توحيد مشاعر الجمهور، فضلا عن انه يقوي عنصر الاندماج بين الصالة وخشبة المسرح .
كما استخدم (الاغاني) في العرض من اجل التركيز على الحدث فيقول:"تتوقف الحركة على خشبة المسرح، ويبدو اسلوب بريخت هنا مطبوعا بطابع البساطة والسهولة، فمثلا هذه الاغاني تفسر الاحداث من وجهة نظر عالية ودقيقة، ومرتبط الحدث الخاص والفريد من نوعه بالحدث العام والشامل". كما تعمل على ان تكون وسائل لقطع سياق المسرحية وتمنع المتلقي فرصة التفكير والتامل. وتظل الفرص الموسيقية ظاهرة للمتلقي حتى لا تصبح الموسيقى الخفية وسيلة لخلق توهم الحقيقة عند المتلقي .وبذلك نفهم ان كلا العنصرين (الموسيقى)و (الاغاني) يؤديان دورهما بشكل منفصل، لكون كل منهما يشكل جانبا خاصا به، ووظيفة خاصة في العرض المسرحي بشكل منسجم وجمالي.
7 – اتجاه المسرح الفقير :
ان المسرح يجب ان يجد طريقا اخر بحيث يوثق العلاقة العضوية مع الجماهير ويعود الى الاوضاع المسرحية البدائية الى اتجاه المسرح الفقير . ويعود الى اصول المسرح واصول الانسان ، فيعيد تأصيل مجموعة العلاقات الاساسية في العرض المسرحي : الممثل والمتلقي ، النص والمخرج والممثل ، اهداف المسرح ، اخلاقيات المسرح ، تقنيات الممثل وغيرها . ويعد كروتوفسكي صاحب هذا النوع من الاتجاهات .
جيرزي كروتوفسكي* :
دعا (كروتوفسكي) مسرحه باسم ( المسرح الفقير) لان التقنية الموجودة في المسرح مهما توسعت ومهما استغلت امكانياتها الالية، ستبقى ادنى من الفيلم والتلفزيون فضلا عن اعتماده على الممثل لانه يمثل جوهر المسرح ، لذلك يقترح الفقر في المسرح. اما ما يسمى بـ (المسرح الغني)- فيرى بانه هو المسرح الغني بالعيوب، الذي يعتمد على الولع بالسرقة الفنية والاقتباس من معارف اخرى وبناء مشاهد هجينة مختلفة يعوزها السند والامانة .
يحتل المخرج مركزا قياديا خاصا في المسرح البولندي، ويعد نفسه ليس مجرد مخرج او منتج او معلم روحي بالدرجة الاولى، وانما عمله يتخذ عدة اتجاهات في تحقيق الابداع الفني. فالعرض المسرحي يتضمن متناقضات مسرحية، بين أي عنصرين من عناصر العرض: الموسيقى والممثل، والممثل والمتلقي، الممثل والأزياء، او بين عضوين من اعضاء الجسم (الايدي نعم، الارجل لا، …الخ). فضلا عن ذلك يقوم العرض من الناحية التقنية عنده على استغلال كل الطاقات الفيزيقية والصوتية الكثيفة والمستوحاة في التعبيرات البدائية للانسان الاول. وكذلك التقنيات يجب ان تكون علاقة صحيحة بين المتلقي والممثل ودمجهما معا .
يرى (كروتوفسكي) ان المجابهة هي الجوهر. وليس النص جوهر المشكلة، فالنص حقيقة فنية لها وجودها في المفهوم الموضوعي. اما المجابهة فهي علاقة الممثل مع نفسه، مع افكاره، مع عقله، مع مواهبه، مع جمهوره، والى اقصى حد ممكن. ينفي وجوده قاعدة اساسية مقدمة يترتب عليها النص، وعلى هذا الاساس يسقط قدسية النص، وعده مجرد موح بالرمز او الطقس او الاسطورة، كما يترتب هدم قاعدة الموضوع الواحد، او الفكرة الواحدة في العرض. لذلك لا يلتزم بنص المؤلف وافكاره كما كان في المسرح التقليدي، وانما يضعه كاحد العناصر الموجودة بين عناصر العرض، ومع ذلك هو ليس اقل عنصر من عناصر العرض اهمية- أي ان المخرج يتصرف في النص بحرية، ولكنه لا ينزلق في التفسيرات الشخصية قط، وانما يشغلها كما يشغل الرسام الالوان .
دعا الى الالتحام بين النص والممثل لانه هنا تكمن قيمة النص الحقيقية. "فالنص وسيلة يعبر بها الممثل عن نفسه، ومن خلال هذه الوسيلة يستطيع ان يحلل نفسيته، وبها يتمكن من اعادة خلق علاقته مع المثلين الاخرين- أي ان النص ليس بتمثيلية، وانما يصبح كذلك من خلال استخدام الممثل له، ويفضل التنغيمات والتداعي الذي تخلقه الاصوات وموسيقى اللغة" .
يعد (الممثل) لدى (كروتوفسكي) العنصر الجوهري في العملية الابداعية، اذ بدونه لا يمكن ان تتم هذه العملية، اما العناصر الاخرى في المسرح فيمكن الاستغناء عنها كالازياء، والاضاءة، والموسيقى…الخ . ففي جميع المسارح لا يمكن الاستغناء عن الممثل، لانه العنصر الوحيد الحي والفعال المتحرك على خشبة المسرح. فبجسمه يمكن ان نخلق كل العناصر المرئية، ولا سيما التشكيلية منها، فضلا عما يكون عليه الممثل من نفسه داخل نفسه، عملية استطلاع قابليات الممثل الى اقصى حد.
ان تدريب الممثل "لا يتم عن طريق مجموعة المهارات المتفق عليها او نعطيه (حقيبة حيل). وليست طريقتنا هي جمع المهارات. وانما تدريب الممثل عن طريق نضج العمل من خلال الجهد المكثف والمفرط وكشف النقاب عن كنه الانسان- أي عملية ليست بالمتعة الذاتية وانما ازالة جميع العوائق لكي يهب الممثل نفسه كليا. وهذ ما يطلق عليه (كروتوفسكي) باسلوب ( الغيبوبة) اسلوب تلاحم كل قوى الممثل النفسية والبدنية المنبثقة من الطبقات المرتبطة بتصميم طبيعة المرء واحاسيسه. اذن تربية الممثل في مسرحنا ليست قضية تعليمية،وانما عملية انسجام ونظام محاولة التخلص من مقاومة العملية النفسية" .
يقسم (كروتوفسكي) الممثل الى ثلاثة انواع:-
1- ممثل بدائي: كما في المسرح الاكاديمي او التقليدي.
2- ممثل صانع: وهو الذي يبدع مؤثرات فيزيقية وصوتية.
3- ممثل طقوسي: وهو الممثل الصانع الذي ينفتح على صور وخيالات ورموز مستمدة من العقل الباطني للمجتمع، ويهتم المخرج بالنوع الاخير ويدربه في معمله المسرحي. ويحتاج هذا الممثل لابداعه شرطين اساسيين في عمله، للوصول الى القمة هما : (النظام) و(الانسجام). لذلك يجب ان يكون الممثل جاهزا للمشاركة في الابداع متى ما شاءت المجموعة، ولا ياتي الى التمرين وهو عاجز عن التركيز، لان الحضور الالزامي في مكان العمل ليس هو الشرط الاساسي وانما الاستعداد البدني .
اراد من المتلقي ان يكون له اتصال مباشر مع الممثل، فليس هناك خشبة مسرح منفصلة، فالممثل يحدث المتلقي مباشرة ويدور حوله باستمرار، ويلمسه، ويفاجئه بمؤثرات متعددة، فالمتلقي مشارك في العرض المسرحي، فمثلا في مسرحية (كورديان) للكاتب البولندي (سلوفاكي)، يتحول الجمهور الى مرضى في مستشفى المجانين. فالمتلقي يفهم شعوريا او لا شعوريا ان هذا العمل دعوة له لان يعمل مثله، وهذا دائما ما يثير لديه المعارضة، لان جهد المتلقي اليومي سينصرف الى اضفاء الحقيقة، لا عن العالم الخارجي فقط بل عن نفسه ايضا. فالمتلقي الذي لديه احتياجات روحية عميقة، يهتم به، والذي يود حقيقة من خلال مواجهة لهذا الاداء- ان يقوم بتحليل نفسه، وهذا التقارب الفيزيقي الحميم بينه وبين الممثلين انما يهدف الى تحقيق هذا التحليل النفسي الجمعي . نفهم من المخرج انه لا يريد جمهورا ميتا يشاهد فقط، وانما جمهورا واعيا مؤثرا حيا يحس ويلمس ما يراه، لهذا كان يختار وينتقي جمهورا خاصا به، حتى لو اضطر الى ان يدفع المال لاصحاب الطبقات الفقيرة وصولا لانجاح العرض المسرحي.
يستخدم المناظر المسرحية البسيطة، ويرفض الاستعانة بالابتكارات الحديثة التي كانت ساندة في المسرح الحديث، التي كان المصمم يسرف كثيرا على العرض ويزينه ليصل به إلى ابهى صورة، بوجه عام فانه يرفض فكرة تعصير المسرح (محصلة العصر). فاراد المخرج في مراحله الفنية الاولى الابتعاد عن جميع اشكال المنظر المسرحي، وركز اهتمامه على الممثلين وحركاتهم الجسدية التعبيرية، ووسائلهم السحرية والطقسية. فضلا عن اهتمامه بالاماكن التي تجري عليها الاحداث وتشكيلها الداخلي مؤكدا الوحدة بين الممثلين والجمهور. فمثلا يحيط الممثلين بالجمهور ،على شكل هلالين منفصلين، ويتمكن الممثلون من الحركة والانتقال بواسطة جسور خشبية تمتد بين صفوف الكراسي، او يستخدم صالة عرض فارغة، يجلس الجمهور في صفوف جانبية ملاصقة للجدران، ويكون المسرح خاليا من أي ديكور، والإضاءة تقتصر على الشموع والبروجكترات فقط .
اراد المخرج ان يعمل على تقريب الممثل والجمهور، بحيث يصل الى درجة ان يسمع انفاسه، ويشم عرقه، من خلال حذف المنصة وازالة كل الحدود المتصلة بها .
يعد (المؤثرات الضوئية) غير ضرورية فيقول:" تخلينا عن التاثيرات الضوئية فتبين ان في مصادر الضوء الثابتة امكانات واسعة للممثل يستطيع بواسطتها استخدام الظلال والبقع المضيئة وغيرها بشكل مدروس" . فضلا عن مشاركة الجمهور، عندما يصبح مرئيا بواسطة الاضاءة، يعني ان دوره قد بدا ايضا في العرض المسرحي.
استغنى عن (الازياء) ايضا، واستعاض عنها بالشخصية المسرحية ونشاطاتها بغير مدلول مستقل عنها واستخدم ممثلوه ازياءا وظيفيا اشبه بازياء اليوغا . اذ ارادها ان تمتاز بالبساطة والعفوية، وعدم الاهتمام بالبهرجة والزخرفة.
اصبح (المكياج) هو الآخر عنصرا غير ضروري فيقول:" تخلينا عنه هو الاخر وعن الانوف الكاذبة والبطون المحشوة بالوسائد بكل ما يتزين به الممثل قبل العرض في غرفة الملابس، فالممثل يستطيع ان يغير وجهه بالسيطرة على عضلات الوجه، وكذلك فان العرق والنفس تحول عضلاته الى قناع" . معنى ذلك ان الممثل له قدرة على التحول من نوع الى نوع ومن شخصية الى شخصية ومن صورة الى صورة من خلال البراعة المسرحية.
استغنى عن الموسيقى فيقول:" تخلينا عنها ايضا سواء كانت حية او مسجلة لا تصدر عن الممثلين، يجعل العرض المسرحي نفسه قطعة موسيقية، وذلك عن طريق تناسق اصوات الممثلين وتضاربها بشكل جميل ومناسب" .
8- الاتجاه التجريبي
يمثل اتجاه العرض التجريبي نزعة تجريبية زاخرا بالقيم الفنية والجمالية التي تسرد ذهن المتلقي وتمتصه ، فالعرض يجب ان يكون محتشدا بالصور غير التقليدية ، كذلك عملية الارتجال التي يتخللها كثير من اللعب ، وقت الاستراحة وكل من معطيات اتجاه (ستانسلافسكي) وبوجه خاص فيما يخص الصدق عن طريق الشعور او الذاكرة الشعورية ، فهي تطالب الممثل والعناصر الاخرى بالمعطيات التجريبية، وكل هذه الامور تنحى منحى تجريبي . ويعد (بروك) صاحب المسرح التجريبي في المسرح الحديث.
بيتر بروك* :
يعتبر عام 1960 هو "بداية حقيقية لعملية الاخراج لدى (بروك) وخلال فترة من الزمن اخرج فيها مختلف الوان المسرحيات المأساوية والملهاوية الاجتماعية او العاطفية او الرمزية او التجريبية . فعمل اولى تجاربه الاخراجية، كان يجهز حركة الممثلين ويعدها بشكل متكامل في كتاب المتلقين الخاص به، ليقرأه امام الممثلين، وليتحركوا بموجبه وفق الاماكن المرسومة لهم. بيد انه اكتشف ان حركة الممثلين التي صدرت عنهم، كانت افضل ممارسة في (السكربت). بيد انه اكتشف ان حركة الممثلين التي صدرت عنهم، ويعزو اهمية ذلك ان حركاتهم كانت مليئة بالطاقة والتنوع ومجسدة بالحماس والايقاعات المختلفة ومتفتحة على امكانات غير متوقعة، ومن ذلك الحين لم يقم باتباع الخطة المكتوبة سلفا. وانما اعتمد على الانسان الحي بدلا من المادة الجامدة . نفهم ان اعمال المخرج لم تكن جاهزة بشكل مباشر، وانما هناك لحظة ما يطلق عليها (الاحساس الداخلي)، ومن انطلاق هذه اللحظة سوف يعمل على اخراج أي مسرحية طالما يملكه هذا الشئ من اجل الوصول الى الفكرة المناسبة، ومن ثم اخضاع هذه الفكرة الى عملية التجريب والتي يرغب الوصول اليها في اعماله المسرحية.
يعد (النص المسرحي) هو العنصر الاساسي والدائم. فالمهم هو ان يكتشف كل اهداف المؤلف، وان يجسدها بكل الوسائل المتاحة لنا. كما انه لا يجب ان يتعلق المخرج بالنص تعلقا سطحيا بل عليه ان ينفذ الى فكر المؤلف العميق، ويجعل الجمهور يحس بالكلمة، واستطاع ان يتوصل الى جعل الكلمة جزءا من الحركة، بحيث يستطيع ذلك باكثر الطرق حيوية. وذلك باستخدام لغة خالية من الكلمات، ولغة خليطة من الاصوات والاشارات استوحاها من منهجه التجريبي. اذن يستطيع أي شخص ان يعمل ما يحلو له مع النص وما يراه ضروريا للعمل فليس الشئ المراد الحصول عليه انما الفعل (النتيجة) .
يعد الممثل عنصرا اساسيا، وله دور مهم في العملية الابداعية، فهو يشرع بامساك أي شئ يقوم بتجسيده، فيجب ان يقوم الممثلون باساليب متنوعة، فالدرجة الاولى على الممثل ان يقوم بفعل الاختزال، كما عليه ان يحفز حالة من اللاوعي يكون مسؤؤلا عنها مسؤولية تامة، أي انه قد درس فن التمثيل بشكل ما، لانه اكثر الفنون كمالا وبدونه سوف لا يكتمل نضج الممثل، ومن ثم يقوم بطريقة تخلصه من الاداء النفسي الطبيعي المتمثل بطريقة الانتقال المنطقي المتسلسل من انفعال الى اخر، ويستخدم بدلا منها الاحساس بهذه الانفعالات مرة واحدة وفي وقت واحد، معتمدا في ذلك عددا من الطرق التي ابتكرها، اهمها:-
1- طريقة (التمرين الجماعي): وملخصها ان الشخصية المسرحية الواحدة لا يؤديها ممثل واحد فقط وانما تقوم على مجموعة من الممثلين بعرض سلوك هذه الشخصية وصفاتها- أي ان الممثل يبدا التدريب باحساس انتمائه الى المجموعة الى فرقة المسرحية ، وامثال ذلك مسرحية (تيتوس اندرونيكوس) للكاتب شكسبير .
2- طريقة (القص واللصق)، او(collage): أي ان يؤدي الممثل في وقت واحد مشاهد مختلفة ومواقف مختلفة، فالاداء هنا متراكب من عدة لحظات مختلفة، وغير منتظمة، وبمعنى اخر هو اداء اللحظات أو الومضات غير مترابطة، وغير منتظمة تماما كقارئ صحيفة عندما ينتقل من خبر الى اخر، او ان يلقي ممثل حوارا لمدة ثلاث دقائق من مسرحية ما، وما ان تمضي ثوان على ادائه، حتى يتطلب منه ان يلقي حوارا من مسرحية اخرى، وهذا تغير سريع ومفاجئ في الجو النفسي العام وبعد ذلك ينتقل الى شخصية اخرى ومن مسرحية الى الاخرى، ثم يعود الى المسرحية الاولى، وهكذا يؤدي في ذلك الى خلق القدرة على الاستجابة العاطفية السريعة عند الممثل في خروجه ودخوله في حالات نفسية ومتباينة مثال ذلك مسرحية (اوديل) للشاعر اللاتيني سينكا .
3- طريقة (الارتجال): فقد نحت العروض المسرحية التي اخرجها (بروك) منحى الارتجال من اجل مشاركة الجمهور ومع الممثلين، فضلا عن الانطلاق النفسي والجسدي للممثل. فمثلا يدخل عشرة من الممثلين الى المنصة واحدا واحدا ليرتجلوا، ويكمل كل منهم اللحظة التي بداها سابقه وهكذا . ومن عروضه على وفق هذه الطريقة، العمل الذي قدمه في (الجزائر) في قرية (عين صلاح).
ان الهدف من استخدام هذه الطرق الثلاث هو التاثير على ما وصفه مسرحه المسمى بـ (المسرح الفوري) او (التلقائي) الذي يجمع ما بين (المقدس) و (الخشن او الخام) والابتعاد عما يسمى بالمسرح التقليدي او المسرح الميت الذي يسمى بـ الردئ.
المتلقي له دور هو الاخر مهم في العرض المسرحي ومكمل لعناصر الابداع وخطواته، فعلينا ان نضع له كل شئ مكشوفا لا نخدعه او نخفي عنه شيئا. وعلينا ان نفتح له ايدينا الفارغة ونريه ليس هنالك شئ – أي ان المسرحية بدون الجمهور تبقى الصورة كاذبة، فالجمهور هو التحدي الدائم في المسرح .
توضع المناظر المسرحية الجاهزة جميعا قبل التمرينات النهائية الاولى. وغالبا ما يقوم بوضع التصاميم بنفسه، وفي هذا الاجراء فوائده الخاصة. فالمخرج بهذه الطريقة تكون مفاهيمه النظرية ومعلوماته المسرحية ومتعلقاتها، فيما يخص الالوان والاشكال، تتطور بالسرعة نفسها، كما كانت عليها في التمرين. والمصمم الافضل هو من يطور عمله مع عمل المخرج خطوة خطوة، ويكون قادرا على ان يعود من حيث بدا فيجري التعديلات لكي تتبلور فكرته وتاخذ شكلها النهائي. لذلك يتبين لنا ان المنظر المسرحي هو هندسة بالنهاية، وهكذا المنظر المسرحي الردئ يؤدي الى صعوبة تمثيل الكثير من المشاهد والى تخريب الكثير من الامكانات التي قد تتوفر للممثلين.
يهتم (بروك) بالصورة المسرحية المتحركة، بدلا من الصورة المسرحية الثابتة وهذا على العكس مما يقوم به الرسام عندما يقف امام اللوحة. فالمصمم المسرحي الجيد هو الذي يفكر بتصميم مناظر مرنة تتحرك حركة مستمرة وتؤدي افعالا مستمرة وتخلق علاقة بما يقدمه الممثل في كل مشهد جديد. وعمل المصمم يشبه مرتب الصور (المونتير) في السينما، يرتب مادته بعد انتهاء الحدث تماما، غالبا ما يشبه او يقطع مادته المتحركة الى اشكال عديدة قبل ان تظهر لك المادة الى الوجود، وكلما تاخذ في اتخاذ قراراته كلما كان ذلك في صالح عمله .
كما يؤكد (الحدث المسرحي) لا المنظر المسرحي. فالمسرح مجرد حدث، والحدث كما يعرفه هو حقيقة وجود ممثل يعبر عن الخشبة فقط. فالحدث من وجهة نظره، صاحب الاهمية الحقيقية في العمل المسرحي، لانه يتم في كل حركة من دون ان ينفصل عن استجابات الجمهور . كما يؤكد وجود عنصرين مهمين في المسرح هما (التركيز) و(المساحة)، فالاول هو ما يحيز مساحة عن مساحة اخرى، فاذا كان اختلاف بين المسرح والحياة الحقيقية فهو اختلاف من الصعب ان نحدده- فهو دائم الاختلاف في التركيز، فالحدث على المسرح قد يشابه اويطابق حدثا في الحياة، ولكن بفضل شروط معينة وتعينات خفية يصبح التركيز فيها افضل بهذا نجد ان المساحة والتركيز عنصران متحدان فيما بينهما . نفهم من عمل (بروك) كان يقوم بتصميم المناظر بنفسه، كما كان يفعل سابقه (كريج). ولكن يختلف عنه، بانه يمنح ممثليه حرية مطلقة في الحركة، ويجعل المنظر المسرحي في خدمة حركته، وليس في المنظر حفظ، بل حتى مع العناصر الباقية التي تكمل العرض المسرحي.
يقوم (بروك) على وضع تصاميم ازياءه منسقة، فمنذ اللحظة الاولى من التمرين يجب ان يعرف اراء الممثل عن ازياءه، فالزي لا يخرج عن ذهن المصمم فقط بل ينبثق عن خلفية معينة. فمثلا ممثل اوربي ابيض يقوم بتمثيل دور الشخصية اليابانية فمهما بلغت مهارة المصمم فسوف لا يظهر زيه مشابها لزي (الساموراي) الذي يظهر في الافلام، فالممثل في النهاية لا يقدر ان يطوع الزي الذي يرتديه لكي يقنع به المصممون العارفون، وهذا ما سيفقد العمل صحته عندما يرتدي ذلك الممثل زيا مسرحيا اقتبس تصميمه من المتحف البريطاني، والعكس ليس صحيحا ايضا، فلا يعني ان ارتداء الملابس الاعتيادية هو الجواب الصحيح. اذ غالبا ما تكون الملابس غير ملائمة للعرض المسرحي . ندرك ان على المصمم ان يتانى ويخطط بشكل سليم في لحظة انتقائه واختياره للازياء المسرحية، لان عدم استخدام الزي الصحيح في الشخصية المناسبة الى عدم الوضوح لمعالمها والفترة التي تنتمي اليها ومن ثم سوف يفقد العمل جودته ويفشل العرض المسرحي.
9- اتجاه الواقعية الجديدة :
تهدف الواقعية الجديدة الى رؤية الواقع في تطوره التاريخي وتحاول ان تعرف حركه اتجاه وافاقه المستقبلية ، ويبحث عن حقيقة الاحساس المتعاظم بالقيمة البطولية للفرد . ويعد هذا الاتجاه اتجاها جديدا في الاخراج يختلف عن الاتجاهات السابقة لاسيما طريقة ستانسلافسكي في الواقعية عبر صياغة جديدة في فن المسرح ، تمثل وجهة نظر واحدة تهدف الى الكشف عن خفايا الحياة ، متخذة لهجة النقاش والجدل من اجل توظيف هذا الفن في حياة البشر ليعبر عن رؤية جديدة في المسرح، ويعد (كازان) صاحب هذا النوع من الاتجاهات .
ايليا كازان(*) :
يعد (كازان ) واحدا من المخرجين الامريكين العالميين في فن المسرح ، الذي انشأ مسرح (الريبرتوار لنكولن سنتر) عام 1961 حيث اعدت في هذا العام نفسه الخطة التي سار عليها المسرح الجديد والفرقة الجديدة الذي قال عنها كازان :- " بعد خمس سنوات من الان سنعيد خلق المسرح الامريكي وربما كان لها اثر بعيد في المسرح العالمي" ( )
لقد اشترك (كازان) مع (روبرت هوايتد)(**) في ادارة المسرح، وكان على كازان ان يلعب الدور نفسه الذي كان قد لعبه ستانسلافسكي في (مسرح الفن) فهو المشرع للاسلوب الفني الذي تسير عليه الفرقة وهو صاحب نظريتها في المسرح، حيث قال كازان في اللوحة التي اعدها للمشروع: "ان الفكرة المثالية لهذا المشروع هو انشاء فرقة مسرحية مدربة على اتباع اسلوب ونظام معين على اعلى مستويات الاحتراف، تمثل مسرحيات ترتفع الى مستوى الخلود في مبنى مسرحي يتقابل فيه الممثلون والجمهور فتنشأ بينهم علاقة وثيقة ومثيرة، وسوف يستمر المشروع في اداء مهمة موسما بعد موسم، حتى تتضح شخصيته المميزة ومعالمه الخاصة " ( )
سعى (كازان) من خلال مسرحه هذا الى ان يرسي دعائم نظريته، فقد كان المسرح الامريكي يدين بكل اساليبه ووسائله في التمثيل على الاقل لستانسلافسكي، فجاء كازان ليتحرر عبر تجربته هذه في المسرح الامريكي من اسر ستانسلافسكي ووسيلته الوحيدة في ذلك على قوله هو تأسيس فرقة تجريبية خاصة به، يتنفس من خلالها وبعيدا عن كل ما هو مادي وفي هذا يقول كازان: " انا منشق، انا لا اخرج باسلوب الذي يعلمونه (اسلوب ستانسلافسكي) انا من انا .. ان مسرح لنكولن سنتر قد بدأ في العمل لتوه. والمسرح لا بد ان يمثل وجهة نظر واحدة. ولنكولن سنتر هو عبارة عن اخطائي ومزايايي . إن بناء فرقة مسرحية عملية تستغرق سنوات.. لا يبدأ أسلوبها في ان يتضح الا بعد ان نبدأ العمل فعلا. ولكن هناك بعض هذه العوامل التي اتضحت من الان" ( ) . ان هدف كازان من وراء مسرحه هذا وفرقته خدمة الفن المسرحي الامريكي وليس ان يقوم بمشروع تجاري وهذا ما اعلنه منذ بداية التأسيس اذ يقول: " نحن ننشأ تنظيما يتكون من مجموعة من البشر هدفه ان ينتج فنا وليس ان يقوم بمشروع تجاري. ونحن لم نجمع انفسنا ببيع للناس التسلية والترفيه، او لكي نكسب حبهم لمدة ساعات قليلة يمضون خلالها وقتا طيبا . ان هذا المسرح الجديد قد آلى على نفسه اولا وقبل كل شيء وهو يهدف الى ان يكشف لهذا الجمهور عن خبايا حياته ويعرضها امامه حتى يصل الى الدرجة التي يثير فيهم وعيا بما يحدث لهم او بما حدث لهم. وفي بعض الاحيان، يحدثهم في صراحة الصديق متخذا لهجة النقاش والجدل. ولن يكون هذا المسرح سهل الهضم دائما بالنسبة للنظارة. ولكن سيكون دائما وظيفيا في حياة الناس. وهكذا نرجو ان يكون هذا هو هدفنا فنحن نؤمن ان المسرح ليس هروبا من الحياة وانما هو جزء من عملية الحياة. وربما جزءا جوهريا منها" ( ). اما عن طبيعة المسرح الجديد الذي يسعى اليه كازان فقد حددها في حديثه مع اعضاء فرقته منذ التأسيس اذ يقول: " ما دمنا جميعا امريكيين .. فان هذا المسرح سيكون مسرحا امريكيا.. ولكننا نأمل ايضا ان يكون مسرحا عالميا، يعبر عن رؤيتنا نحن الامريكيين الى العالم ، وبينما سيتخذ مقره في مدينة نيويورك ، لن يتجه باهدافه الى جزء معين او جماعة معينة في بلدنا .. وبينما لن يحدد هذا المسرح نفسه بعصرنا والفترة التي نعيش فيها فلابد له ونحن بالحتمية ان يرى الاشياء من وجهة نظر هذا العصر. ونحن نأمل اخيرا ان يتحدث هذا المسرح بلسان جميع البشر وان يعبر عن اعمق القيم الانسانية واكثرها خلودا على مر الايام وبهذا الشكل سيكون مسرحا ملتزما، بمعنى انه سيناصر ما هو مخصب للحياة ضد ما يعوقها ويجعلها عقيمة" ( ) . نفهم من ان مسرح كازان يريد ان يعبر عن وجهة نظر الحياة الانسانية، ليس في امريكا فقط وانما يعبر عن سائر الحياة الاخرى.
يركز (كازان) على مستوى النص ويتعامل معه فعمل على "غلق ابواب معظم تدريباته في وجه المؤلفين " ( ). فكازان يصر عادة على فرض شخصيته على أي نص مسرحي يقوم باخراجه وهذا يعني في جوهره على وفق رأي الناقد (روبرت هاربر) هو " فرض اسلوبه الخاص والشخصي على النص" ( ). غير ان هذا لا يعني ان يهشم كازان النص بقدر ما يسعى الى المحافظة على النص لانه " وصفا ادبيا وفي نفس الوقت يستطيع ان يغوص الىاعماق التجربة التي تعبر عنها سطور هذا النص" ( ). ندرك ان المخرج يريد من النص ان يجعله كـ(عجينة) لينة يتصرف بها وفق خطاب العرض المسرحي.
يختار (كازان) ممثليه من الشباب غير المحترفين او ممن ليست لديهم خبرة طويلة في العمل بالمسرح كمحترفين وبدأ اطلق عليه (برنامج التدريب في لنكولن سنتر) وفي هذا البرنامج كان على ثلاثين من الممثلين الشباب ان يقوموا بالتدريب في برنامج او منهج مركز على الصوتيات كعلم، وعلى التحكم في اعضاء الجسم والحركة الجسمية، فضلا عن تدريبهم العادي على فن التمثيل والاداء. ومن هؤلاء الثلاثين اختار كازان نصفهم ليكونوا اعضاء دائميين والباقي يبقى تحت الاختبار. وقد تاثر كازان بالمخرج الروسي ستانسلافسكي الذي دعى الى ان يبحث المخرج والممثل عن عصب الشخصية التي يحاول تقديمها، وليس عصب الشخصية هو اهم شخصياتها ولكنه وجه المتناقضات فيها، فعلى رأي كازان " لا توجد شخصية هي الخير المطلق او الشر المطلق ولكن كل شخصية هي مزيج من الخير والشر معا. فمثلا ليس (ياغو) شخصية شريرة محضة، ولكن لياغو اوجه العظمة وكذلك نواحي الخير، ونوازع الانسانية البناءة، لكنها توقفت احيانا وانخسفت احيانا اخرى تاركا مجال لنواحي الشر وحدها، والممثل الجيد او المخرج الجيد هو الذي يبحث عن الاثنين معا ويقدمهما معا " ( ).
يعمل (كازان) على تحويل الاخراج من علم سلوك او علم نفس الى سلوك محض-أي خال من علم النفس- ، وهذه اولى العقبات التي واجهت اتجاه كازان المسرحي. فقد واجه تديات كثيرة خلقتها طبيعة تقاليد المسرح التجاري في اميركا اولها: انعدام التجانس او الانسجام في طريقة تدريب الممثل في (ستوديو الممثلين)، فالممثل الامريكي لا يهتم كثيرا بتدريب نفسه التدريب العنيف الذي يتطلبه كازان على الصوتيات والالقاء والتحكم في الحركة البدنية ويرجع كازان ذلك الى عوامل عديدة منها:
1- فرص النجاح السريع التي يمكن ان يلقاها الممثل اذا نجحت له مسرحية واحدة فعندئذ لا يصبح لديه كما يقول كازان الا ان يجلس في بيته بجوار التلفون ينتظر مكالمة من وكيل اعماله، ليذهب ويكتب العقد ويمثل.
2- المدة الطويلة التي يستغرقها عرض المسرحية الناجحة، اذ يستغرق ذلك احيانا سنوات وما على الممثل الا ان يكرر دوره طول هذه المدة بما يجمده في قالب معين.
3- عدم تجانس التدريب السابق للممثلين، فكل مؤسسة مسرحية في امريكا تدرب ممثليها على طريقة خاصة تختلف عن باقي المؤسسات وكثيرا ما يكون للممثل تدريب خاص به وحده ولذلك فلا يوجد شيء اسمه التجانس ولا الاسلوب الواحد في العمل وهذا هو السبب الاساس الذي جعل كازان يختار معظم ممثليه من الشباب غير المحترف( ).
وقد اكد في عمله مع الممثل على جملة من الامور يمكن اجمالها بالاتي:
1- ان يكون الممثل قادرا على توصيل الحقيقة النفسية للشخصية التي يمثلها.
2- لا يبدا بتدريب الممثل على الاداء او التدريب قبل ان يحس الممثل نفسه بما تريده الشخصية من اللحظة او المرحلة المعنية في تفسير الدور.
3- التاكيد على الارتجال فهو من وجهة نظر كازان التكنيك الذي يجب ان يؤكد عليه الممثل، فيقول: "ان الارتجال تكنيك يستطيع الممثل من خلاله وهو يحرر نفسه مؤقتا من النص وان يعبر بنفسه على طريقة في السلوك اصدق واكثر اصالة" ( ).
4- التاكيد على اسلوب الاسترجاع العاطفي الذي كان قد دعا اليه ستانلافسكي غير ان الاسترجاع عند كازان يختلف عنه عند ستانسلافسكي، فكازان يدعو الى الاسترجاع الذي يعتمد على توضيح الظروف المصاحبة للحظة الشعورية من اعتماده على تذكر او استرجاع العاطفة. في حين ان ستانسلافسكي يريد من الممثل ان يتذكر شيء معين وهذا الشيء يجعله يسترجع عاطفة معينة( ).
يحطم (كازان) واقعية الخشبة المسرحية بان يسعى الى استخدام المكان المخصص للاوركسترا كمقدمة لخشبة المسرح لكي يعرض عليها بعض مسرحياته مثل مسرحية (جي . بي) ومسرحية (طائر الشباب) وغيرها( ). فضلا عن ذلك فقد سعى الى الاهتمام بالخطة الاخراجية (الميزانسين) والذي ضمنه جميع تفاصيل العملية الاخراجية.
10- الاتجاه السريالي:
تعرف السريالية على انها " هو ذلك المذهب الذي يخلق بنا وراء الحدود المألوفة لما اتفقنا ان نسميه الواقع ، والذي يحاول ان جد الاداب والفنون ، فضلا عن ان المسرحية السريالية من اهم قواعدها ان تتغلب سمات العقل الباطن وصبغته على سمات العقل الواعي وصبغته في عملية التمازج بينتجارب الكاتب ، المخرج وغيرها . وان هذه المسرحيات السريالية تكاد تشبه المسرحيات الطبيعية من حيث عدم اشتمالها على ذروة ومن حيث انها مجرد عرض صور لاتربطها الا فكرة عامة ، الا انها تختلف عن مسرحيات الاتجاه الطبيعي بهذا الجو الرومانسي التي تجري صورها فيه ، وان اختلفت عن المسرحيات الرومانسية في انها تشبه الحلم " . وتعد مسرحية (قلبي في بلاد الاحلام) للكاتب (وليم ساروين) كمثال للمسرحيات السريالية .
يعد هذا النوع من الاتجاهات نوعا جديدا في الاخراج ضمن النزعات المتغيرة في العالم ، اذ يتخذ اشكالا وصيغا مختلفة ومسرحية مبتكرة لا حدود لها ذات مفردات حقيقية مأخوذة من الحياة ، بدلا من الكتل الضخمة ، او في بعض الاحيان مفردات مصطنعة صنعت خصيصا لاجل العرض بشكل وحجم معين لتعطي دلالات فكرية وجمالية . ويعد المخرجان (كانتور و شاينا ) اهم رواد هذا الاتجاه وفق صيغ وافكار يختلف الواحد عن الاخر .
1- تادووش كانتور (*)
يعد ( كانتور) بالاضافة الى عمله كمخرج مسرحي ، رساما بارزا من خلال تقديم مجموعة من الاعمال التي وجد فيها مراحل الفن التجريبي ، فضلا عن اندماجه في الاعداد المسرحي للمسرحيات التقليدية . فالصيغ التشكيلية الجديدة في اعماله المسرحية كانت تمثل لغة فنية متميزة كخلفية تعبيرية مكثفة عبر اداء مسرحي تقليدي غير مبتكر ، ولهذا فان مسرح كانتور قد فقد الهارمونية بين الوسطين التشكيلي والمسرحي، حيث كان في حاجة الى ورشة فنية الامر الذي جعله يفكر في الاستوديو التجريبي (كريكوت 2)( ) .
ان المتأمل لاعمال كانتور سيجد انه امام منطقة خيال خصب ، يكشف عن غير الممكن والمخبوء في الطبقات السفلى من اللاوعي والوجود البشري . ( ) حيث يمكن حصر اهتمامات كانتور في مسرحه (كريكوت 2) نحو تحويل الهابننغ (الواقعة) الى فعل فني وتحريرها من اللا جدوى والعادية . فـ(الهابننغ) كما يراها كانتور هي :-
" وضع العمل الفني في واقع الحياة " ( ) . فالفن الذي يعنيه كانتور ويضعه في وضع الاعتبار ،هو الفن الذي يمثل له (شمولية الواقع) قبل كل شئ . فهو يدعو الى خلق صلات جديدة بين المساهمين في العرض من ممثلين وجمهور ومن جهة اخرى بين الناس والموارد والاشياء من جهة اخرى ( ) .
لقد اعتمد كانتور في طريقته الاخراجية على صيغة فنية يكون هو الرائد فيها ، اذ انه يبقى موجودا فوق خشبة المسرح في اثناء العرض المسرحي ، ومع ان وجوده غير مرتبط ارتباطا مباشرا بالممثلين غير انه لايسمح بان ينساه المتلقون او يتناسون بانه هو المبدع الحقيقي لهذا العمل الذي يشاهدونه . فما قام به كانتور في هذا الاتجاه اراد به ان " يخدم التخلص من الايهام المسرحي الذي قد يحدث عند المتلقي وفي ذات الوقت يقوم بتذكيره بالواقع "( ) . نفهم من المخرج يريد ان يجذب المتلقي ويضعه ضمن الحدث المسرحي من اجل الابتعاد عن الايهام المسرحي .
يتعامل (كانتور) مع النص المسرحي بوصفه مؤلفا له – أي انه يعمل ضمن ظاهرة ( المخرج ) حيث يعد كانتور النص وسيناريو اخراجه جزءا متكاملا لعمل مؤلف واحد هو مخرجه في ذات الوقت( ) . وهذا ما نتلمسه في مسرحيته الشهيرة (موت الفصل الدراسي ) والتي استقى مادتها عن مسرحية (تومور) للكاتب (موزوجوفيتش) ومقدما عرضا مسرحيا معتمدا فيه على رؤياه الفنية .
تبدا علاقة كانتور بالنص من القراءة والتحليل واستخراج المفاهيم المميزة المنطلقة من الفكرة المهيمنة على المسرحية او على كل مشهد من مشاهدها : اطفال ، عجائز ، موت ، ثم يقوم بوصل هذه المفاهيم بما يتعلق بها في الواقع ، فمفهوم اطفال مثلا يتصل بالعاب ، قصص ، بكاء ، ثم يقوم بوضعها على مساحة العرض وعند بدا التمارين يكون هنالك فرز لبعضها والتي تكون اقل تاثيرا من غيرها وتبقى المواد ذات التاثير الكبير على المتلقي والتي هي اكثر عمومية بين الناس لتكون متالفة مع الجمهور باكمله( ) .
يستعيد (كانتور) في اسلوبه من تيار الهابننغ ليرتكز على فن الاداء التمثيلي في فكرته الخاصة ، فممثلوه يتسلمون فكرة جاهزة يبلورونها تمثيلا وحركة على خشبة المسرح وبصورة اليوم العادي من ايام الحياة ،ليوفروا للجمهور صورة آنية وفعلية تتمتع بالتكوين الفني الجمالي والتشكيلي على خشبة المسرح وعلى وفق شكل خاص ومبتكر( ) . نفهم ان المخرج يعطي للممثل حرية محدودة للتفكير والتحليل واتخاذ القرار بما يخدم ادائه التمثيلي والعرض المسرحي المراد تقديمه.
يسعى (كانتور) في مسرحياته الى كشف الامكانات الدفينة في الاشياء عن طريق الاستخدام العلمي لها وهذه الاستخدامات المتشعبة والمتعددة بعيدة كل البعد عن الاحاطة الفعلية . فقد انطلق كانتور في كل مرحلة من مراحله الفنية من منطلق خاص بالمرحلة او العرض (الخصوصية) ويبدا هذا واضحا منذ عام 1950 في اعمال (كريكوت 2) ، اذ اعتمد على كيس قماش كبير تخرج منه رؤوس الممثلين وايديهم وارجلهم اذ يركز على التغليف الا انه يسعى الى التحليل والمراقبة وليس الى جمالية خاصة لانه لا يأبه بجمال الاشياء ولذاتها مثل اكياس الورق والقماش والملابس وهو لايدعو الى جمالية الاشياء الشاعرية ، فعملية التغليف تمتلك بحد ذاتها شيئا من السمر ولهو الاطفال ، وهو في ذلك يقول "يبدو لي انه اذا ما امتلك احدنا فكرة واضحة يسعى الى تقديمها فهو يطمح الى ان يكون هذا التقديم على وجه من الكمال الى انه ليس كمال للكمال ، بل مجرد فرض للافكار الخاصة ، انه ببساطة الوضوح بعينه"( ) . ويتبين ذلك في احدى مسرحياته (Hoppening morshi) عام 1967 في بلاج بحر البلطيق.
يعد (كانتور) اول من ادخل السريالية للمسرح البولونية حيث استخدم تماثيل العرض الرمزية في مسرحية (حنا المقدسة) لبرناردشو عام 1966 ، او ديكورات تعبر عن تعاظم الدراما الموحية بهبوط الكائنات الشريرة في مجرى الحدث لاسيما في مسرحية (انتيغونا) لجان انوي عام 1957 او كأن يكون ديكورا استعاريا كما في (اقنعة مايدومنسا) للكاتب ترافبنسكي عام 1957( ) . فهذه التجارب قد أضافت جماليات للعرض المسرحي عن طريق استخدام الاشكال المعلقة في الهواء ، الارضية المتشققة ، والنوافذ الفارغة والمانيكان .
تشكل (الصدفة) لديه حالة خاصة فهو يخترع اساليب جديدة ومتميزة عن طريق تحفزه لخلق نظام جديد يغاير او يوازي النظام السابق سواء كان ذلك في العرض او التمرين او النص فيقول " ان الصدفة هي التي تفجر شكل اللوحة او تشكيل السينوغرافيا في الفضاء المسرحي"( ). نفهم ان عروض كانتور المسرحية تخضع لمتغيرات العالم كونها تمتلك صيغ واشكال متغيرة ومختلفة .
2- يوزيف شاينا (*):-
يعد (شاينا) واحد من المخرجين المعروفين في المسرح البولندي ،خصوصا في القرن العشرين ، من خلال اعتماده السريالية اتجاها ينطلق منه تركيب تكوينات العرض لديه . وتهتم نظريته الخاصة بالسطوح والالوان فيقول "ان الرسم البسيط مرفوض لانه لايعبر عن بصرنا المعقد والمركب لذلك يجب ان تكون عناصر التشكيل مركبة ومعقدة والالوان يجب ان تكون مبهرجه وعناصر التركيب يجب ان تكون متحركة غير ساكنة"( ) وكما كان متاثرا بفترة اعتقل فيها ايام الحرب فلذلك كانت هذه افرازات فترة اعتقاله ومن مبادئه ان كل قوى التدمير لا تستطيع تدمير الانسان ، ولذلك فان مسرحه يبنى على دعامتين اساسيتين هما : التدمير والصراع ، ونلاحظ ذلك في اعماله (دانتي)، (ريبالكا) و(فاوست) وفي اعماله يستغل اضافة العناصر التشكيلية .
يعد النص بالنسبة لـ(شاينا) في اغلب مسرحياته عبارة عن "صرخات ودمدمات لا معنى لفظي لها لكنها مليئة بالشحنات العاطفية والصور والتعبيرات"( ) ويمثل ذلك في مسرحية (ريبالكا) ويستلهم ذلك من خلال رسامين اخرين مثل (شاكال) و(بروكيل) وغيرهم .
يستخدم (شاينا) جسم الممثل للرسم وكان يستخدمها في تكوين اشكال متعددة تثبت للحظات ثم تنفجر لحظات اخرى فينتشر الممثلون ليعودوا لتكوين اشكال اخرى( ).
ترمز الادوات والاكسسوارات التابعة للمنظر في مسرح شاينا الى الكوارث والحروب، لذلك استخدم احذية الجنود باحجام غير طبيعية وضخمة حتى ان الممثل يجلس فوقها وعجلات المدافع والدراجات وانابيب وبنادق واعضاء بشرية صناعية "فالحضارة الساقطة للقرن العشرين تقدم في عروضه المسرحية باعتبارها برميل قمامة مختلفة المعادن .. تتواجد
داخلها قمقمة من البشر ذوي العاهات " ( ). كما تعتمد تصاميم شاينا " التكوين في الشكل من قطع وادوات واكسسوارات مختلفة من تلك القمامة تشكل في كيان موحد مكونة شكل تشكيلي اشبه بالنحت الحديث ومن خلال المعالجات التشكيلية والسريالية لعناصر خاصة مبتدعة على خشبة المسرح فالواقعية قد تركب في منطقة "( ) وان هدف شاينا نقد الواقع وتصوير مرارته وقباحة الانسان وبشاعة التطور في هذا القرن وهذه فكرة متعمقة وواقعية للحياة لكنها تقدم بشكل تركيبي متمرد تبعا للسريالية " الرؤية الميتافيزيقية للحياة البشرية "( ) .
لم يعتمد (شاينا ) التقنيات الحديثة في مناظره او اضاءته ، انما اعتمد البساطة من خلال استخدام الادوات والقطع التي تنتمي الى واقع الحياة المرير والحروب والكوارث وليس شرطا ان تكون حقيقة كما عند سابقه (كانتور) بل انها قطع خشبية تشبه القطع الاصلية ، وقد استخدم ايضا بعض القطع الحقيقية كعجلات الدراجات والالات الموسيقية ومن ميزته التلاعب باحجام المواد ، فيستخدم عناصر التضخيم كتهويل لاثر هذا الشيء على الانسان من خلال ضخامة احذية الجنود (البسطال) وكان ذلك في مسرحية المشرف الحكومي ، وفي مسرحية (دانتي) استخدم اشباحا من السلالم اضعاف حجم الانسان وغطاها بالقماش ما عدا فتحة في الاعلى يظهر منها رأس الجمجمة ، ومن الجانبين ذراعين كاشارة الى شبح الموت والدمار ، ويبحث شاينا في عروضه عن معادل موضوعي برؤاه الفلسفية من خلال اطار بصري سينوغرافي "( ) ، وهذا المعادل الذي وجد هو التكوين الحسي الذي يجعل من المنظر المسرحي وحتى الاضاءة كيان واحد ، ولم تترابط اجزائه ماديا ولكنها مترابطة حسيا ، نعني بالتكوين " النظام الكلي شاملا الشكل والارضية بالنسبة لاي تصميم ، فكل الهيئات الفردية واجزاء الهيئات ليس لها فقط شكل وحجم بل لها فيه مركزا ايضا .. والتكوين يتم خلقه عن طريق العلاقات التي يبنيها ، والتي تتخذ صلاحيتها للنظام نفسه "( ) فنظام العرض يتبع فكرته، فان كل جزء من المنظر او ممثل لا ينتمي الى تلك الفكرة او لا يترابط معها لا ينتمي الى نظام العرض فيكون غير صالح لان يكون ضمن ذلك العرض .
يحصل(شاينا) على التكوين من خلال التوزيع المتناسق لاجزاء المنظر ومن ضمنها الممثل الذي يعتبر جزء مهم في تركيب لوحات العرض ومن ضمن خامات التصميم ، فعروض شاينا " ما هي سوى سلسلة من اللوحات ذات المغزى الاستعاري والرمزي .. واحيانا نجد في مسرحه لوحات ضخمة رائعة تلعب فيها الاضاءة والمادة الديكورية دورا كبيرا في التشكيل "(3). وهذه اللوحات دلالات بعيدة في ضمن التكوين عن الواقع ولكن اجزاءها كمواد مستقلة او مشابهة لما في الواقع ، فالشكل الكلي للعرض غريب وغير واقعي يحمل فكرة تضرب بقوة في الصميم الواقع ، فالمسرح لديه يجذب الانتباه ويجب ان يجابه الحياة وبهذا يشابه مسرح الغضب في مجابهة الحياة بعيوبها وكل الاخطاء التي فيها .
المســـرح الثالـــث والتعامل مع التراث
تمهيـــــد:
ظهرت نظرية المسرح الثالث في بداية الثمانينيات من القرن العشرين لتقدم تصورها النظري قصد توجيه مسرح الهواة بالمغرب نحو آفاق رحبة من التجريب والتحديث والتأسيس والتأصيل. وترتبط نظرية المسرح الثالث بالمسكيني الصغير وعبد القادر عبابو وسعد الله عبد المجيد. وترتكز هذه النظرية المسرحية على الرؤية الجدلية في التعامل مع المكان والزمان والتاريخ، وعلى تقنيات المسرح الفقير فيما يخص الممثل والمتفرج واستخدام اللغات الدرامية البصرية والمسموعة.
ومن هنا، يمكن أن نتساءل : ماهي مرتكزات المسرح الفقير؟ وكيف تعامل المسرح الثالث مع التراث؟ وماهي التقنيات الفنية والجمالية التي استخدمها للاشتغال على التراث؟
1- نشـــأة المســرح الثالــث:
جاءت نظرية المسرح الثالث مع المسكيني الصغير كرد فعل على النظرية الاحتفالية التي بشر بها زعيمها عبد الكريم برشيد . وكان أول بيان للمسرح الثالث سنة 1980م في المهرجان الواحد والعشرين لمسرح الهواة بتطوان، ويسمى ببيان تطوان. ونشر هذا البيان مرة أخرى في مجلة " المدينة " التي تصدر بالدار البيضاء، وذلك في العدد السادس، بتاريخ 06 يونيو من سنة 1981م. وقد أرفق هذا البيان بورقة تقنية تحمل اسم:" المسرح الفقير"، و ترتكز على ثلاث قواعد فنية وجمالية، وهي: العين (المتفرج)، والروح(الممثل)، والأداة(اللغات).
هذا، ويضم المسرح الثالث مجموعة من المبدعين والمؤلفين والمخرجين المسرحيين، ومن بين هؤلاء: المسكيني الصغير صاحب مسرحية:" يوم السعد والنحس في حياة هارون الرشيد"، ومسرحية:" مذكرات رجل يعرفهم جيدا"، ومسرحية:" البحث عن شهرزاد"، ومسرحية:" الجاحظ وتابعه الهيثم"، ومسرحية:" حكايات بوجمعة الفروج"، ومسرحية:" السيد جمجمة"، ومسرحية" رحلة السيد عيشور"، ومسرحية:" العقرب والميزان"، ومسرحية" سرحان" ، ومسرحية:" البحث عن رجل يحمل عينين فقط"، ومسرحية:" رجل اسمه الحلاج"، ومسرحية: " الشجرة"، وسعد الله عبد المجيد صاحب مسرحية:" زهرة بنت البرنوسي" أو " شهرزاد وراء الكانطوار" ، والتي نالت جائزة العرض المسرحي سنة 1983م،ومسرحية:" مقامات بديع الزمان الهمذاني" ، ومسرحية: " دون كيشوط يحارب مرتين"، وعبد القادر عبابو الذي أخرج مجموعة من المسرحيات مثل مسرحية:" الجاحظ وتابعه الهيثم" و" رحلة السيد عيشور" للمسكيني الصغير، ومسرحية " ثورة الزنج" للشاعر معين بسيسو، ومسرحية :" المهمة" لآرثر ميلر...
ويلاحظ أن اسم المسرح الثالث غامض وملتبس بسبب تعدد دلالاته ، فقد يدل هذا الاسم على المسرح الثالث الأنتروبولوجي كما عند المسرحي الإيطالي أوجينيو باربا، و قد يدل على العناصر الثلاثة التي ينبني عليها المسرح الثالث: المكان، والزمان، والتاريخ، وقد يدل كذلك على المنهجية الجدلية التي تتكون من ثلاثة عناصر: الأطروحة ونقيض الأطروحة والتركيب. وهذا هو الرأي الصائب حسب مفهوم ومنطوق البيان:" لا يمكن أن يتقبل المسرح الثالث تصورا بعيدا عن الفكرتين اللصيقتين بالوجود الإنساني والمرتبطتين في نفس الوقت، ضمن علاقة تحكمها معايير تصور جدلي، تؤدي ديناميته إلى ( الجديد المتميز) دائما في نطاق التعالق الدياليكتيكي بين الفكرة التلقائية (كقديم) والفكرة الضد (الجديد الداعي إلى الانتقال والانتقاد)، والفكرة الثالثة المستقرئة والمتجاوزة للفكرتين السابقتين بمعنى أن التغيير في هذا السياق هو التأصيل، والتطوير في نفس الآن، أي تجذير المشرق في الأصيل، وتجاوز القديم المتخلف، وبناء الجديد المطور نحو الأسمى.
ومن هنا، جاء مفهوم المسرح الثالث، أي جاء استبطانا واستنباطا لقانون التغيير الجدلي والقانون نفي النفي وحركيته المطورة/ الصاعدة في الزمان والمكان، والتاريخ. وهكذا، يأتي المسرح الثالث حاملا لمشروع رؤية منهجية إبداعية مسرحية حداثية، تنويرية، تجادل الإنسان في مكوناته المادية والروحية والعلائقية والتواصلية عبر تقنية المجادلة الإبداعية بين عوامل الزمان والمكان والتاريخ."
ومن هنا، فنظرية المسرح الثالث نظرية جدلية بريختية وكروتوفسكية ارتبطت بمسرح الهواة إبداعا وتنظيرا وتأليفا وإخراجا.
1- التصور النظري للمسرح الثالث:
ينبني المسرح الثالث كما وضعته جماعة المسرح الثالث على مجموعة من المقومات الفكرية والمرتكزات القضوية، والتي يمكن حصرها في المبادئ التنظيرية التالية:
* المكان: يدعو المسرح الثالث إلى الانفتاح على المكان العالمي رغبة في التعاون والتعايش والتواصل، ولكن مع حماية المكان الأصل جدليا من كل عدوان أو غطرسة أو هجوم أو استغلال:" المكان: المغربي، العربي، الأفريقي، العالمي، لأن منطق المكان، يفرض حدا أدني للتفاهم، والتعاون، والتفاعل على صعيد الوجود الإنساني، كما أن المكان هو امتداد جغرافي بالنسبة لكل قطر بجميع قيمه الروحية وإمكانياته المادية والبشرية، وهذا يعد شرطا في حماية الذات والمواجهة: مواجهة العدو أيا كان: استعماريا ، طبقيا، اقتصاديا، سياسيا، اجتماعيا، إيديولوجيا، فكريا، ثقافيا."
*الزمان: يعني الزمان الحضور المادي الملموس في المكان أمسا وحاضرا ومستقبلا، والتفاعل مع المكون الحضاري للغير بطريقة جدلية إيجابية:" يرى هذا المسرح أن التواجد في الزمان يأتي عن طريق التلمس، الذي يعني الانتقال من الملموس إلى المحسوس، لهذا فإن الشكل والمضمون ( الحضريين) يجب أن يكون حافزا دائما في إحساس الجمهور انطلاقا من تحليل إشكالية التفاوت المادي، الذي ينعكس على موقف المكان، وهذا ينعكس بالضرورة تفاوتا في الرؤيا وتفاوتا في الموقف، الذي يحدد الحضور، في الماضي، والحاضر والمستقبل، ولا يمكن أن يكون عامل الزمان مجرد إحساس بعيد عن عملية التفاعل المكاني الحضاري. وبالتالي، فإن الزمان في المسرح الثالث، هو مقياس ومعيار لمعرفة المسرح المغربي/ العربي من وجود الآخرين حيث ينفعل، ويتفاعل، وينفي هذا الانفعال، والتفاعل، كلما وجد نفسه أمام الضد الذي ينفي عنه حركته في الزمان والمكان."
* التاريخ: يعني التاريخ في بيان المسرح الثالث الذاكرة الحية النابضة بالأحداث الدرامية والحركة الجدلية، والتي لها علاقة متينة بالحاضر:"يرى المسرح الثالث أن التاريخ حركة حية يمكن استعارتها وتشخيصها مرة أخرى، بناء على الموقف من الذات ومن الآخر، فالاستقراء التاريخي ينبني على قناعات إيديولوجية مرحلية، فليست البطولة من صنع شخص واحد، لأن الناس ليسوا على دين حكامهم، بل الحكام هم الذين على دين الناس، التاريخ في المسرح الثالث هو الحاضر، ولكن على أساس التحدي القائم، في إطار قناعات جماهيرية، فلا يمكن أن نستقرىء التاريخ من أجل التاريخ، لأن المسرح الثالث، ينفي عملية النسخ، والنقل والتلقائية، ولأنه ينفي أن يكون المسرح مجرد مسرح للطرف والملح و الغرائب، واستعراض الأمجاد الفردية."
وعلى المستوى التقني والجمالي، يرتكز المسرح الثالث على ثلاث قواعد تقنية تحيل على تأثر المسرح الثالث بالمسرح الفقير لكروتوفسكي والمسرح الثالث لأوجينيو باربا. والسبب في تبني المسرح الفقير تقنيا هو أن هذا المسرح يقوم " بإظهار وجوه التناقض بأسلوب إبداعي بسيط. ومن ثم، لايصبح العرض المسرحي حفلا يلتقي فيه الصراع ، وينتفي فيه الفقر، وهموم وأحزان الإنسان على الركح المسرحي."
وهذه التقنيات هي: العين، والروح، والأداة.
* العين: تعني العين في المسرح الثالث المتلقي/ المتفرج /المشاهد الذي يستخدم عينه لرصد العرض المسرحي الجدلي. و بالتالي، فالمسرح الثالث يستلزم تواصلا جدليا بين الملقي والمتلقي يكون قوامه الحضور والمشاركة في النقد والتموقف ، وبناء العرض المسرحي على ضوء الرؤية الجدلية البناءة والهادفة.
* الروح: يقصد بالروح الممثل الذي عليه أن يوصل العرض المسرحي إلى الآخر مهما كانت طبيعته أو مستواه الثقافي أو الاجتماعي أوالطبقي. ومن هنا، فالثالوث التقني يهدف إلى:" تبليغ العمل الدرامي إلى المتفرج- العين أي الغير أو الآخر، على أن الآخر هذا يعني مفاهيم كثيرة، فمن الممكن أن يكون الآخر: عاميا مثقفا... أمام هذه المفاهيم، وهذه العلاقات النفسانية، وجد الممثل- الروح نفسه يتعامل مع لغات مسرحية محيطة به...يتعامل مع عين وأدوات."
وعلى أي حال، فالمسرح الثالث يعتمد على تقنيات المسرح الفقير، ويقتصد في السينوغرافيا، ويتقشف في الديكورات، ويركز كثيرا على قدرات الممثل الهائلة على مستوى التشخيص الصوتي والغنائي والتشكيلي البصري والجسدي. ويكون التشخيص نابعا من رؤية ذاتية وواقعية مرتبطة بالمحيط الجدلي:" إن المسرح الثالث يرى أن الإنسان لا ينفصل عن محيط اقتصادي، فنحن عندما نتكلم أو نغني ونبكي ونرقص، فلكي نعبر عن هذا المحيط ولا نخرج عن ذواتنا، وعن واقعنا إلا إبداعيا وطبق منهجية فنية" .
وعلي العموم، فالممثل هو العنصر الأساس في المسرح الثالث على غرار نظرية المسرح الفقير لدى كروتوفسكي. فالممثل في المسرح الثالث يبدع بجسده، مثل المؤلف والمخرج:" في المسرح الفقير لا فرق بين المؤلف والممثل، الأول يؤرخ بأبجدية لغة، والثاني يوصل ويقوم بالإيصال عن طريق الحركة والإلقاء".
* الأداة: والمقصود منها اللغات المستعملة في المسرح الثالث سواء أكانت سمعية أم بصرية. ويكون المقصود بها أيضا كل أدوات وتقنيات الفرجة الشعبية والتراثية.
ويلاحظ على بيان المسرح الثالث أنه غامض من حيث الأفكار والقضايا المطروحة، والتي ترد في البيان النظري مجردة ومبهمة غير واضحة الملامح والمعالم. كما أن المسرح الثالث مسرح ماركسي جدلي لا يختلف إطلاقا عن التصور الجدلي في ورقة عبد القادر عبابو صاحب بيان المنهج الجدلي في الإخراج المسرحي. كما يبدو لنا أن المسرح الثالث قد تأثر بالمسرح البريختي ومسرح كروتوفسكي أيما تأثر كباقي النظريات المسرحية المغربية الأخرى، وقد تأثر أيضا بنظرية النقد والشهادة لدى المسرحي محمد مسكين. وهناك كذلك تأثير واضح وجلي للنظرية الاحتفالية في هذا البيان التأسيسي على مستوى المفاهيم والمبادئ النظرية.ويتجلى المشترك بينهما في الانطلاق من فلسفة التحدي والتجاوز والمواجهة، والإيمان بالواقعية والإنسانية والمشاركة الجماعية ، والتركيز على فعل التغيير والحيوية والفعل الدينامي. ولكن المختلف في كون المسرح الثالث يؤمن بالقراءة الإيديولوجية ، ويتبنى المنهج الجدلي والطريقة البريختية ، ويرفض التلقائية والعفوية.
ويرى الدكتور مصطفى رمضاني بأن المسرح الثالث قد تأثر بالاحتفالية تأثرا كبيرا إلى درجة النقل والاستنساخ، ولكن أقول لأستاذي بأن ثمة اختلافا في بعض المقولات كنفي المسرح الثالث للتلقائية والعفوية ، ورفض مبدإ الاحتفال، وتأكيد أهمية قانون الجدل في التنظير المسرحي. ومن هنا، يقول مصطفى رمضاني:" لقد بدأ التيار الاحتفالي يفرض نفسه بإلحاح داخل الوطن وخارجه، لأنه يسعى إلى خلق فلسفة جمالية تأصيلية للثقافة العربية، وللمسرح خاصة. ونظرا للمكانة التي تحتلها الاحتفالية في خريطة المسرح المغربي، فقد ظهرت محاولات تجريبية أخرى أرادت أن تتجاوز ما طرحته، إلا أنها لم تعمل غير تكرار ماذهبت إليه الاحتفالية. ولعل تجربة المسرح الثالث إحدى تلك المحاولات التي لم تستطع أن تحقق وضوحا في توجهاتها الجمالية بالرغم من كونها أخذت كثيرا من الطروحات من البيانات الاحتفالية، كما أن المحاولات الأخرى لم تتجاوز رفع بعض البيانات في بعض المناسبات الخاصة في نوع من الحياء والحذر، وأعني بتلك المحاولات ماقام به أصحاب المسرح الجديد بفاس والمسرح الفردي ومسرح المرحلة ومسرح النفي والشهادة، وهي محاولات لم تستطع أن تحيط بالخطاب المسرحي العربي/ المغربي في شموليته كما فعلت الاحتفالية."
وفعلا، لم تصمد نظرية المسرح الثالث أمام قوة الاحتفالية، وتجدد بياناتها وإبداعاتها ودراساتها العلمية الجادة التي ينشرها عبد الكريم برشيد وناقدها الدكتور مصطفى رمضاني من فينة إلى أخرى. ويعلل المسكيني الصغير عدم انتشار نظرية المسرح الثالث بقوله:" المسرح الاحتفالي منذ انطلاقه وجد مجموعة من المنابر لإيداع ونشر بياناته. لذلك، وجد ضالته سيما في مراحله الأولى . وتجربتنا نحن في المسرح الثالث كانت تنحصر في منبر واحد وهو مجلة " المدينة" ".
لكن هذا التبرير غير علمي وغير مقبول إطلاقا، فنظرية عبد الكريم برشيد لها أسس فلسفية وجمالية متينة وقوية، وأسلوب بياناتها واضح ومنطقي ومعقول. كما أن صاحبها كثير الإنتاج، وغزير الإبداع، ويساير المستجد والمستحدث.
2- موقف المسرح الثالث من التراث:
يتعامل المسرح الثالث مع التراث المغربي والعربي والإنساني والكوني كباقي النظريات المسرحية المغربية الأخرى، ولكن ليس تعاملا سلبيا قائما على النسخ والتقليد والاجترار والتلقائية، بل هو تعامل مدروس مبني على قراءة جدلية متأنية أنتروبولوجية، تنطلق من رؤية إيجابية إيديولوجية حية ونابضة بالحركة قائمة على الطرح والنفي والتركيب الجدلي. كما يخضع التراث ضمن المسرح الثالث للتموقف الفكري والسياسي والطرح الأيديولوجي. ويخضع أيضا للرؤية الواقعية التاريخية الزاخرة بالتناقضات:" المسرح الثالث مع تقنيات المسرح المتقدمة، مع أعمال مسرحية مبدعة، مثل: مقامات بديع الزمان الهمذاني، وسيدي عبد الرحمن المجذوب وغيرها، إلا أنه يناقضها في منهجية معالجتها للضد في الزمان، والمكان، والتاريخ. مادام الموضوع ينفي الحد الأدنى من فضح التناقض التاريخي، ويداعب الواقع بأساليب وهمية سطحية ، هي الأخرى تداعب خيال المتفرجين، لا تشدهم إلى واقعهم، ولا تقودهم إلى مناقشة الضد في الزمان، والمكان، والتاريخ، كأن يكون المضمون في التاريخ مغربيا ومنافيا في التاريخ، فيصبح تكريسا لمفاهيم بعيدة عن الفعل الفاعل المطور وعن التعامل الجدلي مع الضد...الخ".
هذا، ويقوم المسرح الثالث على غربلة التراث تقويما وتصحيحا، ونقده فكريا وذهنيا وفنيا وجماليا، وذلك من أجل تغييره إيجابيا وجدليا، معتمدا في ذلك على المنهج الجدلي في الإخراج والتأليف والتمثيل والتشخيص كما يطرحه عبد القادر عبابو:" المسرح الثالث يضع أمامه هدف التغيير في تعامله مع جميع النصوص المبدعة، ويعتبر هذا شرطا أساسيا في تعامله مع التراث المغربي العربي والعالمي، بناء على أدوات ورموز حضارية قابلة للتغيير والتعبير على طموحات الإنسان المغربي والمتلقي بصفة عامة. ومن هنا، فإن المسرح الثالث، يمكن له أن يتعالق مع جميع أنواع المسرح في حدود معينة أهمها: إمكانية مجادلة هذه الأنواع وتوظيفها مضمونا وإخراجا في إطار رؤيته الإبداعية . المسرح الثالث، يتصور عملية التشخيص المسرحي انطلاقا من منهج يستمد مبادئه الفنية من قانون التغيير وفضح التناقضات المتجلية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية."
ويشترط المسرح الثالث للتعامل مع التراث أن يكون التعامل فنيا وجماليا قائما على الإيحاء والترميز والانزياح؛ ، وذلك بعيدا عن التقريرية الفجة والمباشرة السطحية التي تقتل الإبداع الدرامي:" يرفض المسرح الثالث المباشرة في الطرح، والطرح البعيد عن الإطار الفني والإبداعي والمسرحي، المسرح الثالث يتعامل مع المسرح العالمي برؤية التجادل والتفاعل والتكافؤ بعيدا عن التبعية، يرفض الاستيراد المستمر، والتصدير المستمر، يؤيد الخط الإنساني التحرري في مواجهة كل أنواع الضغط والهيمنة والسطحيات، يرفض الأسلوب المداعب، كما يرفض كل تركيب لا يقترن بالحياة، ضمن جدلية الزمان والمكان والتاريخ المغربي والعربي والإنساني في نسق إبداعي."
ومن هنا، فالمسرح الثالث يقرأ التراث كما يقرأه الجابري في كتابه:" نحن والتراث"، وذلك عبر قراءة إيديولوجية تاريخية موقفية. ويعني هذا ضرورة ربط الفعل الدرامي بالواقع الجدلي المليء بالتناقضات المتنوعة كما وكيفا. كما يرفض المسرح الثالث التعامل مع التراث بطريقة سلبية جامدة قائمة على الرؤية الفلكلورية السياحية للتراث،و" ينزع في هذا الإطار إلى وسم تعامله مع الفنون الإنسانية بخاصيات التجادل والتحديث والتكافؤ والتكامل، كما ظلت تلك الفنون تخدم الإنسان وجودا وموقفا وتقدما."
وعليه، فالمسرح الثالث يتعامل مع التراث تعاملا جدليا رغبة في التجريب والتحديث والتغيير تمهيدا للتأسيس والتأصيل الإيجابي قصد تحقيق التقدم والازدهار والاستقلال الفكري الحقيقي على مستوى التحتي والفوقي. ولايمكن استيعاب هذا التراث على مستوى التلقي إلا إذا وجد الممثل الجدلي والمؤلف الجدلي والمخرج الجدلي والمتفرج الجدلي الذي يدخل في علاقة جدلية مع التراث و العرض المسرحي. كما ينبغي أن يرتبط التراث الموظف في المسرح الثالث بجدلية الماضي والحاضر، وجدلية القديم والجديد، وجدلية الأصالة والمعاصرة. ويستلزم المسرح الثالث كذلك التعامل مع الأفكار الواقعية الجدلية، مع استقراء بناها السياقية تاريخيا لفضح تناقضاتها الجدلية، وكل ذلك بغية تحديد مجموعة من المواقف تجاه القضية المطروحة. كما أن الأفعال والأحداث المسرحية لابد أن تكون أفعالا دينامكية جدلية خاضعة لقانون التناقض والكم والكيف.
هذا، ويركز المسكيني الصغير على مفهوم التثوير في التعامل مع التراث واستخدام لغة تجمع بين العربية والدارجة، وقد سماها باللغة: " العربدجية". يقول في هذا الصدد المسكيني الصغير:" فنحن في حاجة إلى تثوير فعل ثقافتنا الشعبية، تثوير الحدث الدرامي في الزمان والمكان، تثوير يعتمد في كتابته " عربدجية" راقية تحبل بحرارة الدم ، وتختصر في جسدها اللغوي العريق دفء وحساسية الإنسان المغربي، تجاه الأشياء والمحيط والواقع المعيش، فنحن في هذا التعامل نتمثل ثقافتنا المحلية والوطنية، والقومية، والإنسانية في الزمان والمكان، والتي تشكل الثقافة الشعبية الخالصة فيها أمصال مناعة ووقاية وانتماء، تميز سلوكنا في التربية والسحنة واللون، والأكل، والملبس، والمسكن، والذوق، والقيم...لكنها تبقى إزاء الثقافات الأخرى والتثاقف المفروض الحضاري، نموذجا حاضرا محترما فوق الأرض."
ويرى المسكيني الصغير في الأخير أنه لابد من القيام بدراسات أنتروبولوجية لتطوير الفرجة الدرامية عبر فرق بحث ومختبرات ومحترفات وورشات علمية وثقافية، وذلك لإغناء المسرح العربي قصد تحقيق ما يسمى بالتأسيس والتأصيل.
3- آليات التعامل مع التراث:
يعتمد المسرح الثالث على مجموعة من الآليات المسرحية للتعامل مع التراث الإنساني والكوني بصفة عامة والتراث المغربي بصفة خاصة، ومن بين هذه الآليات والتقنيات: آلية الجدل، وآلية الاستعارة، وآلية التشخيص، وآلية الارتجال، وآلية الأدلجة، وآلية النقد والغربلة الفكرية، وآلية التموقف، وآلية التغيير، وآلية الترميز، وآلية التهجين( استخدام اللغة العربدجية)، وآلية الفضح وتعرية التناقضات في الذاكرة التراثية، وذلك من خلال الاشتغال على الثقافة الموروثة ، واستعمال السيرة والحلقة والفرجة الشعبية.
كما شغل المسرح الثالث تقنية الاستخراج كما عند المسكيني الصغير في مسرحياته التراثية ، وذلك حينما ربط بين الأحداث من خلال مجموعة من الحكايات كحكاية طارق بن زياد وجنوده، وحكاية السندباد وشهرزاد الفلسطينية، واستعمل أيضا آلية المسرح داخل المسرح، وتقنية التباعد ، وآلية السخرية الكاريكاتورية، وآلية العنونة التراثية ، وآلية التجنيس التراثي على مستوى القالب بتوظيف السيرة أو الحلقة أو الحكاية أو المقامات...
تركيــب واستنتــاج:
وهكذا، نخلص إلى أن المسرح الثالث ينطلق من التصور الجدلي البريختي في التعامل مع المسرح المغربي والعربي والإنساني، وذلك بتقديم تنظير يشمل المكان والزمان والتاريخ. كما يتبنى تقنيا فنيات المسرح الفقير على مستوى التشخيص والتمثيل والرصد وتشغيل اللغات السمعية والبصرية. زد على ذلك، فالمسرح الثالث يتعامل مع التراث تعاملا إيجابيا قائما على التغيير والتثوير والنقد والتموقف الإيديولوجي، مع استعمال آلية الجدل على سبيل الخصوص من خلال الانتقال من جدلية الماضي والحاضر إلى جدلية القديم والجديد.
مسرح الشمس
يبدو واضحا للجميع ان المسرح كمفهوم انساني يرتبط ايما ارتباط بمعاصرته للمجتمعات في جانبيه النخبوي والجماهيري وهو يتطور وينمو في اي مناخ سواء أكان هذا المناخ متوترا بفعل السياسات او الوضع الاقتصادي والاجتماعي او في الرخاء حتى ، فهو يسير في افق متطور على الدوام وهذا ما جعله او جعل من طروحات رجالاته في احيان كثيرة تتباعد فكريا وتطبيقيا وفي احيان اخرى تقترب ويذوب بعضها في بعض .
من هنا نستطيع الدخول الى فضاءات مسرح الشمس الفرنسي المتكون من مجموعة انزياحات اظهرت شكليته التي هو عليها رغم اننا لا ننظر اليه مورفولوجيا اي من الخارج بل لابد من الغوص فيه لمعرفة انتولوجيته وابعادها التي اسست لوجوده. ظهر مسرح الشمس(بفرقة مسرح الشمس) من قبل رائدته (اريان منوشكين) الفرنسية في آيار-1964 ، وقد قدمت الفرقة مجموعه من العروض المسرحية بحيث تبوأ مسرحها مكانة عالمية مهمة في رقعة المسرح العالمي رغم انني لا اتفق مع ذلك لان انتقال مسرحها اعلاميا لايعني انه احدث تاثيرا في مسارح البلدان التي انتقل اليها مثل ما فعل ارتو وبرشت وستانسلافسكي وكريك وابيا وبروك وكروتوفسكي وغيرهم الكثير .
تنطلق رؤية منوشكين في تسمية المسرح من ( ان المسرح مكان انطلاق لرؤية الاشياء رؤية اخرى ومكان ليس للاخفاء او الخفاء ) وهي تهدف لخدمة المسرح نفسه الذي ياخذ على عاتقه (لديها ) ان يكون صرخة مدويه رافضة للخطيئة في الواقع الانساني الملوث وبالتالي استنهاض انسانية الانسان وهي تريد تغيير الواقع عبر فهمه . ففي مسرح (منوشكين) نجد تعدد جنسيات الممثلين وهو ينتمون ل (35 ) جنسية ومن ثقافات متعددة .
بعد ان اطلعنا على السمات الفكرية لمسرح الشمس سنرى آلية تطبيق ذلك على الخشبة ، ان اعمالها الاخراجية تقوم على الخلق الجماعي وهي تمنح الفرقة وقتا كافيا للابتكار والاقتراح والتجريب فعروضها هي عبارة عن تاسيس جماعي تقوم هي باخراجه ، وبهذا يكون العمل الاخراجي معتمدا في مسرح الشمس على الخبرات والتجارب التي يمتلكها اعضاء فرقتها والعمل المسرحي هنا يتكون عبر التمارين التي تستغرق زمن اعداد العرض الا ان طريقتها لا تشمل منصة المسرح حسب بل يتعدى ذلك الجمهور الذي ياخذ دورا فاعلا قبل العرض وبعده لانها تريد منه التعايش مع كل تفاصيل العرض وفوق هذا تقدم للجمهور الطعام بيديها وبذلك فهي تهدف الى تحرير الجمهور وفق اقامة علاقة معه فهو ينتقل قبل العرض الى منصة التمثيل ويدخل غرف الممثلين لتزيل ما يسمى بجدار الوهم .لاتريد لهذا المسرح ان يكون بديلا عن الواقع ولا يشابه الواقع ليكون مسرحا محظا وازاء ذلك تقول
"اذا استطعنا الوصول الى نوع من التوازن يصدق فيه المشاهد ما يراه مع علمه انه مسرح نكون قد وصلنا الى حالة مثالية في العرض وهي تؤدي الى حالة من التوازن المثالي بين المسرح والواقع"
حاولت منوشكين الاستمرار بنهجها طوال اربعين عاما وتوظيفها للتقنيات المسرحية الذي شكل دعامة جمالية تثير متعة التلقي بمنح الشكل الفني اهمية بالغة تصل حد الابهار ليشعر المتلقي ازاءه بنشوة المشاهدة.
هنا يكون افق القراءة لمسرح الشمس قد ابتدا في تشخيص ما كان من عنديات منوشكين وما لم يكن كذلك وهو المهم ،فقد تعكز مسرح الشمس على طروحات لمخرجين مثل برشت وبروك وقراءة كروتوفسكي للنص وكذا بروك طبعا حيث يعملان على تهشيم النص المسرحي وبناءه على اساس المطابقه مع الواقع المسرحي الذي ينشدانه اعتمادا على التمرين المسرحي والبروفات وما تنتجه من مقترحات عبر العمل الجماعي ومايؤسسه الارتجال عند بيتر بروك في مسرحه الخاص الذي عرف به ورحلاته المتعددة للكثير من دول العالم حسب كتاباته التي يذكر فيها ذلك لاسيما كتابه النقطة المتحولة
كما اننا نلاحظ الحظور البرشتي في مسرح الشمس من خلال التعامل مع الجمهور ومحاولة كسر الجدار الرابع لفسح المجال امام الممثل والمتلقي على حد سواء في اقامة علاقة فاعلة فيما بينهما ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل تعداه في فلسفة التغيير التي تبناها برشت نفسه وهي تتجه -اي منوشكين- بذات الاتجاه الذي يبتغيه برشت ، وقد يكون الوضع السياسي والاجتماعي للاثنين هو الذي حدد افاق اتجاهاتهما الا ان عملية التغيير والتعامل مع الجمهور ارسى دعائمها برشت قبل منوشكين نفسها وعمل على اقامة تلك العلاقة اغلب المخرجين الذين مر ذكرهم مع اختلاف اساليب الطرح وشكل العرض الامر الذي دعاهم الى البحث عن اماكن بكر تخدم هذه العلاقة التي يجب ان تراعى بين الممثل والمخرج . ولكن هذا لا يدعو الى نكران الاهمية التي يحضى بها مسرح الشمس فقد حاول من خلال منوشكين وفرقتها ان يكون عالميا لانه نظر الى اهداف المسرح على اساس عالميتها وكونها رساله انسانية لا تتوقف عند بلد معين او مكان معين.
ارى ان العالمية التي وصل اليها هذا المسرح كانت عالمية حظورفقط بحيث بقي جديده رهين فرنسا ومنوشكين وحدهما ولم يؤثر في اشكال العروض المسرحية العالمية كما ذكرت بحيث اننا نرى ان في الكثير من مسارح العالم بصمات لبرشت ولغيره من المخرجين ، اذ اخذت تحدد مسارات العروض التي وصلت اليها افكار بروك وبرشت وارتو واخذ العرض المسرحي في جميع انحاء العالم يتبنى شكل الملحمية او القسوة او بنية العرض الفقير .لكننا لانجد هذا عند منوشكين التي بقي مسرحها خاصا بها وارى ان ذلك متأت من هيمنة من سبقوها في طرح الكثير مما ارادت طرحه بواسطة مسرح الشمس .
مراجعة المادة العلمية : -
1- الأتجاه الطبيعي :
أ- النص له قدسية قابل للحذف او الاضافة ويتناول موضوعات من واقع الحياة .
ب- الممثلون يمثلون شخوصا من الواقع وتظهر على سلوكهم تأثيرات البيئة والوراثة .
ج- الفضاء المسرحي مبني على هيئة غرفة، والجدار الرابع وهمي يحل محله ستار المقدمة وترفع كي يرى المتلقي الاحداث والمنظر يمثل ببيئة تعيش فيها الشخصيات .
د- يستخدم الأزياء والاكسسوارت (حقيقية) على المسرح.
ه- تظهر الاضاءة من خلال مصادر طبيعية واضحة كالشمس والقمر وغيرهما فضلا عن ان توحي لنا بالاجواء الخارجية من خلال الصوت والضوء والديكور.
و- تحقيق مبدا الايهام في جميع عناصر العرض المسرحي.
2- الاتجاه الواقعي :
أ- النص له قدسية .
ب- الممثلون يمثلون شخوصا من الحياة والواقع .
ج- الفضاء المسرحي تربطه علاقة وطيدة بينه وبين حركة الممثل من اجل اعطاء دلالات اجتماعية وتاريخية من ثم تحقيق الواقعية المراد الحصول عليها.
د- الاضاءة تشارك في تحقيق الاجواء الخارجية، من خلال تصوير الظواهر الطبيعية والتاثيرات النفسية للفرد والمجتمع.
ه- يحافظ على الدقة التاريخية في الازياء على المسرح .
و- تحقيق مبدا الايهام في جميع عناصر العرض المسرحي.
3- الاتجاه الرمزي :
أ- النص يتناول موضوعا انسانيا يعبر عن دواخل الانسانية بشكل رمزي.
ب- الاهتمام بالحركة اكثر من الكلمة، لان الحركة هي الحياة في المسرح.
ج- الممثل صانع الفعل الدرامي ، وجميع عناصر العرض المسرحي في خدمته،فضلا عن امتلاكه صفتين الاولى (طيعة) والاخرى (صامتة)
لا تجادل .
د- الفضاء المسرحي يمتلك دلالات رمزية وتعبيرية تسهم في خدمة الممثل.
ه- الاضاءة عنصر من العناصر التشكيلية المهمة والفعالة في العرض المسرحي.
و- الموسيقى لها دور مهم في تنظيم عناصر العرض المشهدي كلها في وحدة انسجامية متكاملة.
ز- الازياء لها دلالات رمزية وتعبيرية في العرض المسرحي.
4- الاتجاه التعبيري:
أ- النص له قدسية وقابل للحذف والاضافة لان المخرج هو الكاتب المسرحي نفسه والعكس ليس صحيحا.
ب- تظهر جميع العناصر كما لو كانت في الحلم حيث التشويهات والايقاعات المتنوعة والمبالغات .
ج- البطل يمثل الشخصية المحورية التي تمر نحو هدف مرسوم وفي طريقها تلاقي المصاعب والعراقيل.
د- ادخلت الموسيقى لتعزيز المزاج فقط، لكونها عنصرا مكملا في العرض المسرحي، ولكونها لها القدرة على التعبير عن افكار المؤلف.
5- الاتجاه التسجيلي :
أ- الاتجاه يعتمد على ثلاثة عناصرهي (سياسي) و (ملحمي) و (تقني).
ب- النص عبارة عن تقارير عن الاحداث الفعلية من غير تزييف .
ج- يفضل ممثليه من الطبقة العاملة .
د- المسرح والصالة اصبحا مكانا واحدا لتاكيد الدور السياسي.
6- الاتجاه الملحمي :
أ- الاتجاه الاخراجي يعتمد عنصرين رئيسين هما (التغريب) و (اللاايهام) يستخدم (الجست).
ب- النص له قدسية، قابل للحذف والاضافة، ويتضمن النصوص الملحمية والتعليمية والترفيهية، لابراز اهداف تتناسب مع العلاقات المتغيرة من اجل المتعة لتعليم المتلقي من خلال اسلوب (الراوية) الذي يسرد افعالا قام بها شخص اخر في زمن سابق.
ج- يستخدم المناظر المتحركة بدلا من الثابتة، انطلاقا من كون العالم يتغير، وليس هناك شئ ثابت، كذلك وجود الشاشة الكبيرة التي تعرض عليها الافلام السينمائية والتي تتناسب مع احداث المسرحية، والكواليس الجانبية حلت محل الاوركسترا.
د- الجمهور عنصر مشارك يمثل نصف العرض المسرحي.
ه- الاضاءة الفيضية هي السائدة، لا لخلق المؤثرات وانما من اجل ابقاء الجمهور يقظا لمراقبة العرض المسرحي.
و- يستخدم الموسيقى لتوحيد مشاعر الجمهور، وفي توحيد الصالة بخشبة المسرح.
ز- الاغاني لها دور في قطع سياق المسرحية ولتفسير الاحداث بنظرة عالية ودقيقة.
7- اتجاه المسرح (الفقير) :
أ- النص ليس هو بالمشكلة، وانما المجابهة هي المشكلة.
ب- الممثل عنصر رئيسي في العرض المسرحي.
ج- المتلقي له دور مهم في العملية الابداعية، وجوده شئ مهم.
د- اقتصار المنظر على عدد من المقاعد الخشبية، وعدم تحويل الفضاء المسرحي الى مكان تمثيلي محدد.
ه- الاضاءة البسيطة في تجسيد المنظر المسرحي.
و- يرفض استخدام المكياج والازياء الشخصية .
ز- عدم اللجوء الى استخدام الالوان بشكل مركز.
8- الاتجاه التجريبي :
أ- الاتجاه يعتمد على عنصرين رئيسين في المسرح هما (التركيز) و (المساحة).
ب- النص فاقد القدسية، قابل للحذف والاضافة، ووضع اهداف خاصة، تعتمد على الكلمة الصرخة، المصادفة وان الكلمة هي جزء من الحركة.
ج- الممثل يعتمد ثلاث طرق هي (التمرين الجماعي) و (القص واللصق) او (الكولاج) و (الارتجال).
د- المتلقي عنصر مهم في الكشف عن الاشياء التي يشاهدها امامه.
ه- المنظر المسرحي ليس هم المهم وانما الحدث المسرحي هو الاهم، لان المسرح مجرد حدث، وحقيقة الحدث هو وجود الممثل، فضلا عن استخدام الصورة المسرحية المتحركة بدلا من الثابتة.
و- الزي يوضع في خدمة الممثل لما يجده مناسبا ضمن الحدث المسرحي.
9- اتجاه الواقعية الجديدة :-
أ- النص له قدسيه، مما اتاح التغيير والتحوير وفق ما يناسب النص والحفاظ عليه بوصفه عملا ادبيا.
ب- يمتلك الممثل قدرة على الارتجال ليحرر نفسه مؤقتا من النص، ولكي يجد لنفسه طريقة اصدق واكثر اصالة.
ج- يمتلك الممثل اسلوب الاسترجاع لتوضيح الظروف المصاحبة للحظة الشعورية اكثر من اعتماده على تذكر او استرجاع العاطفة.
د- دمج المسرح بالصالة لخلق علاقة وثيقة ومثيرة بين الممثل والمتلقي للوصول الى مستوى الاحتراف.
10- الاتجاه السريالي :-
أ- يغلب على العرض الجانب الحركي أو شبه الحدث للاتجاه التشكيلي المسمى (اللاتشكيلي).
ب- النص المسرحي وسيناريوه و إخراجه هو عمل واحد يعمل المخرج على اعداده .
ج- اصبح الديكور يعبر عن تعاظم الدراما الموحية بهبوط كائنات شريرة داخل الحدث، أو في بعض الأحيان ديكورا مستعارا من خلال الأرضية المتشققة، النوافذ الفارغة، الأشكال المعلقة في الهواء وغيرها.
د- يستخدم السريالية في العرض المسرحي.