حضارة وادي النيل :-
يعد الشرق مهد الحضارة ومنه تطورت الكتابة والتي بدورها دونت تاريخ الامم وفيه اوجدت اولى الابداعات المادية في عالم الفنون والرياضيات والاجتماع والعمارة ،واوجدت اولى الاديان الروحية .
ويؤكد الاستاذ (طه باقر) في كتابه (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة) المجلد الثاني "لعل اول ما يجلب انتباه الباحث في حضارة مصر القديمة، ان ابرز عنصر فيها (الفن) فقد بلغ مرحلة باهرة من النضج في عهد قديم جدا من عهود الحضارة المصرية وهو عهد المملكة القديمة"(4،ص135).
ان حضارة وادي النيل قد وصلت درجة من التقدم والازدهار اذ تبين ان المعماريون والرسامون والنقاشون المصريون كانوا يتمتعون ببراعة فائقة في العمل وحسن الاتقان اذ يمكن ملاحظة ذلك عن طريق الرسوم والنقوش المزينة بها المتاحف المصرية (3،ص77_78).
لقد احتفظت الحضارة المصرية بالطابع الاصيل الفذ دون ان يلاحظ أي تغير او تبديل على الرغم من الغزو الاجنبي التي تعرضت له وعلى الرغم ايضا من ان الشعوب الاخرى استقرت على ارضها فوجد ان للحضارة العربية تعضيد لهذه الافكار والتصورات (7،ص17).
مرت الحضارة المصرية بثلاث مراحل :-
1.الدولة القديمة (2850 -2052) ق.م
2.الدولة الوسطى (2052 -1670) ق.م
3.الدولة الحديثة (1570 - الى بداية الالف الاول) ق.م.
ازدهرت مصر في المرحلة الاولى منها في جميع مرافئ الحياة من تجارة ، علوم ، ادب، فن وخاصة في عهد الملك (زوسر )* ، وتعد اهرام السقارة من اروع ما صنع في تلك الفترة وكان الفنان (ايمتحب) من قام بصنعها وهي في فترة حكم الاسر الثالثة اما في فترة حكم الاسرة الرابعة فكان الطابع الديني السمة الغالبة فانشات المعابد وزخرفت الجدران اما الاسرة الخامسة والسادسة شهدت مصر القمة في الرقي والتقدم والازدهار(3،78 ). فبعد المرحلة الاولى جاءت المرحلة الثانية او ما تسمى بالمملكة الوسطى ،شهدت مصر وخلال هذه الفترة اعلى درجات التقدم والازدهار فشيدت معابد الاقصر وبروز فن النحت ومن المنحوتات التي تمثل مشاهير هذه السلالة راس (امنمحيت) الثالث من حجر الديوريت الاسود وتمثال (سنوسرت) الثالث الضخم (4،ص140).
وفي خصوص هذا الجانب هناك بعض الاسئلة التي قد تطرح لذا كان من المفترض ملاحظتها والاجابة عليها،هل تعد حضارة وادي النيل من اولى الحضارات في الشرق الاوسط ولماذا؟ بلغت مصر مرحلة من التطور والابداع، في أي فترة وفي أي مجال من مجلات الحياة العامة .هل كان للدين اثر على فكر الفنان وبالتالي على اعماله الفنية ،برز فن النحت وظهرت عدد من المنحوتات اذكرها وفي أي عهد لقى الفن مزيدا من الرعاية والاهمية .
يتضح ان الفن وتطوره والثقافة في مصر القديمة قد مر باطوار عديدة ووصل الى ما وصل اليه في هذا العهد واصبح فن النحت من ابرز ما يميز هذه الفترة ، اذن الفن عامة موجود في بلاد وادي النيل، لكن السؤال يتركز هنا على نقطة واحدة، هل عرف المصريون القدامى المسرح ام ان المسرح بدعة اغريقية ؟ وللاجابة على هذا السؤال يقول ،الدكتور (علي نور) في كتابه (ملامح مصرية في المسرح الاغريقي) "هذه قصة هيلين التي كتبها يوربيدس قبل الفين واربعمائة عام،مثلت اول مرة في اثينا ثم في كثير من عواصم العالم القديم والحديث، ومسرح القصة ارض مصر، في جزبرة فاروس، قبل ان تنشا الاسكندرية بحوالي الف عام"(11، ص83).
اذن من هذا الراي نعلم ان المسرح كانت بدايته الاولى في مصر القديمة مؤكدا ذلك الدكتور في كتابه السابق الذكر وبهذا يقدم لنا ولادة جنين ويمكن ان يطلق عليه بجنين الدراما لان ولادته الاولى كانت في بلاد وادي النيل ومن ثم انتقل الى الاغريق.
ويقول (الحكيم) في هذا الصدد "هناك اصوات عديدة تؤكد بان المسرح نشأ في مصر معتمدين بذلك على النقوش والمدونات والبرديات والتي يطلق عليها جزافا النصوص المسرحية ومنها انتقل الى الاغريق"(3، ص80).
ومن المناصرين لهذا الرأي (أيليا الحاوي) اذ يذكر ان المصرين قد عرفوا المسرحية وذلك في اسطورة (اوزيريس)* اذ تعد الاسطورة البداية الحقيقية لظهور المسرح ممثلة امام الجمهور كما في المسرح الاغريقي وكانت تمثل في اربعين مشهدا وهي بهذا تعد انموذجا للعمل الذي انتقلت به الملحمة الى المسرح(2، ص14).
فكان المسرح المصري القديم مقتصر على الاحتفال الطقسي وما يتضمنه من حوار واناشيد ورقصات فكان يجمع مابين النص الشعري الابتهالي الصادر من الاحساس بروح الاشياء والغناء استجابة للقوى العليا في النفس اما الرقص فكان اداة للمعاناة ويتم تجسيده عبر الحركة والايقاع (2،ص16).
ويرى (عبد العزيز) اصبح لطقوس (اوزيريس) اهمية كبرى لدى المصريين فكان الحكام والكهنة هم انفسهم من يقومون بعملية التمثيل مصورة بذلك عالم النشور ما بعد الموت(7، ص14-15).
بخصوص هذا الراي بالذات علينا التوقف قليلا والنظر بتمعن وملاحظة ان التمثيل الطقسي الديني كان يقام في المعابد فاسطورة (اوزيريس) لم يكتب لها التطور لانها لم تخرج من المعبد الى الشارع وبقي رجال الدين هم الممثلين لاغيرهم على الاطلاق .
ام ما جاء على لسان (المحامي) اذ يذكر عرف المصريون القدامى المسرحية منذ عام 3000ق.م في قصة (ايزيس واوزيريس) وابنهما (حورس) واستمرت تمثل الى القرن الخامس ق.م، اما احداث القصة فتتمحور حول قضية البحث والانتقام وهنا يتركز ببحث (ايزيس) عن جثة اخيها وزوجها (اوزريريس) بمساعدة الابن (حورس) المنتقم من (ست) اله الظلام المتسبب في قتل والده(10،ص7) .
وقد عبر السيد (الزبيدي) عن رايه في كتابه (المسرحية العربية في العراق)، اذ نفى صفة المسرح عن الاحتفال الطقسي وما هو الا نوع من التمثيل الديني وانه لم يتطور ويصبح مسرح شبيه باليونان والرومان لا من قريب ولا من بعيد( 5،ص20).
وضمن هذا المنطلق لابد من القاء نظرة على بقية الاراء الداعية الى وجود مسرح مصري قديم اذ ان ( نور، الحكيم، الحاوي، عبد العزيز، المحامي) قد اكدوا على موقف واحد لا غير اذ تبينت ارائهم عن مدى ايمانهم العميق لتلك التفسيرات التي جاءوا بها، فالجميع يؤيد فكرة المشاهد التمثيلية ولهذه المشاهد جذور تاريخية دينية وشعبية فالتمثيل الديني الطقسي في السلالات المصرية القديمة موجود وما تمارسه من طقوس ونشاطات دينية على شكل حوارات شعبية ذات مغزى ومضمون فكري تقام في الاحتفالات العامة والمناسبات الكبرى وامتيازها بالطابع الديني مما ساعدها على نشوء بعض عناصر التمثيل الديني التي مارسها بعض العامة. وهذا النمط التمثيلي الضيق الافق بعض الشيء، وعليه وبعد سقوط الدولة الوسطى اصبح الدين المدافع الاول عن مصالح الامة فاخذت النشاطات والممارسات الشبه المسرحية تمثل داخل المعبد، والكهنة هم الممثلين انفسهم ومن ثم الانتقال الى خارج المعبد* والتمثيل امام الجمهور وبعد تطوره شيئا فشيئا اصبح هناك ممثلين محترفين فضلا عن ادوات العرض الاخرى والمتمثلة بالرقص والغناء ، وبما ان المادة الاولى للمسرح كانت الاساطير وباعتبارها مادة خصبة والمنبع الزاخر للرفد الكتاب المسرحيين بهذا النشاط المسرحي الرائع معتمدين على اسطورة واحدة فجاءت اسطورة (اوزيريس) بعناوين مختلفة منها اسطورة(ادونيس وعشتروت)**. اذن هناك تشابه كبير جدا ما بين الحضارة الاغريقية والرومانية من جهة وما بين حضارة وادي النيل من جهة اخرى فالكل اعدوا الظاهرة الدينسيوسية البداية الفعلية لظهور المسرح وظهوره للوهلة الاولى في مصر القديمة شيء مؤكد توثقه الوثائق ثم انتقل بعد ذلك الى الاغريق.
وضمن هذا المنطلق تظافرت عدد من المحاور والاسئلة ومن الواجب التطرق عليها ومعرفتها، ظهر عدد من الاراء حول ظهور المسرح في مصر فعلا ام لا، وما هو رايك في ذلك ولماذا ، وما هو الدليل على ذلك ؟ هل تعد الاسطورة البداية الاولى لنشوء المسرح ام لا،وهل يمكن القول ان المسرح في تلك الفترة يشبه الاحتفال الطقسي ولماذا، والى أي من الاسباب يمكن ان تعول عدم تطور المسرح في ذلك الوقت، وهل هناك تشابه فعلا فيما بينه وبين نشاة المسرح الاغريقي والروماني ام لا؟