انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

بلانشو ونقد النقد

Share |
الكلية كلية الفنون الجميلة     القسم قسم الفنون المسرحية     المرحلة 4
أستاذ المادة علي عبد الامير عباس فهد الخميس       13/10/2017 14:38:40
الموضوع: ( مذاهب نقد حديث ) وقت المحاضرة (8.30-10,30) صباحاً
اسم القاعة : قاعة رقم (4)

المحاضرة التاسعة والعشرون : بلانشو ونقد النقد

ان جمل بلانشو تقول شيئاً بدلاً من ألاّ تقول شيئاً، ولكني لا أرى لماذا نشكّ بذلك، بالنتيجة. أما أن تكون الـ(قيم) قد اهتزّت في أيامنا، فهذه حقيقة واقعة. ويمكن أن ننظر إلى حالة الأشياء هذه على أنها غير قابلة للارتداد، وأن نمتثل للعجز، أو أن نحاول السير بعكس التيار، وأن نبحث عن قيم جديدة، قد يكون بالإمكان الإيمانُ بها. إن تهديم القيم ليس صعباً في شيء: إنه يجري أمام أعيننا كلّ يوم. أما أن نتصور القيم باعتبارها طاغية ينبغي أن نحرّر منه فكرنا، وأن نصنع من هذا التحرير المهمة أكثر أهمية للنقد وللأدب، فهذا ما يكشف عن مثل أعلى فريد حقاً.
تؤكد كتابة بلانشو ذاتها في كل لحظة هذا الهمّ، همّ تحرير الفكر من كلّ رجوع إلى القيم والحقيقة، ومن كلّ فكرة، كما يمكن أن يُقال، وغالباً ما قيل عنه: «إن الأدب يمكن أن يُصنع في الوقت نفسه الذي يبقى فيه باستمرار مليئاً بالنواقص»، «إنه العمق وغياب العمق كذلك.»، وفي موضع آخر: [الكتاب الآتي]: «الامتلاء الخاوي» (الصفحة: 16)، و(«دما ينتظر مجيئه»، و«انقضى زمنه على الدوام»، (الصفحة: 17)، و«الفراغ باعتباره امتلاء» (الصفحة: 30). و«مساحة لا مكان لها». (الصفحة: 100)، و«وجه شاسع نراه ولا نراه» (الصفحة: 105)، و[الاكتمال غير المكتمل] (الصفحة 176)، و«مع ذلك، فالذات لا يشبه الذات، (ص: 271)، وهكذا دواليك، بلا نهاية. [لقد رأينا أنه بهذه الطريقة إنما كان من الأسهل محاكاة "بلانشو"]، غير أن تأكيد (أ) وليس (أ) في الوقت نفسه، يعني وضع البُعْد الجزميّ للّغة موضع تساؤل، واتخاذ خطاب يتعدّى فعلاً الصحيح والخاطئ والخير والشرّ.
ذلك لأنه من الواضح أن "القيم" التي يهاجمها بلانشو ليست القيم الجمالية الوحيدة. إنه لا يطلبُ من النقد ببساطة أن يتخلّى عن إعداد لوائح بالجوائز. اللّهم إلاّ إذا كان ذلك هو إحدى المهمات «الأكثر أهمية في زمننا»، ولا تزال هذه العدمية تكشف بوضوح أكبر قليلاً انتماؤه العقائدي، حين يقترح بلانشو أن يضع محلّ الرجوع إلى الحقيقة، وإلى القيم «نوعاً آخر [...] من التأكيد مختلفاً تماماً
وفي هذا الاقتضاء، لا نجد شيئاً مستحدثاً بصورة خاصّة: إنه يرتبطُ بالتقليد النيتشوي، ومن قبله بالتقليد السّاديّ الذي يثمن القوة على حساب الحق [إن ساد ونيتشه مؤلفان أثيران عند بلانشو].
ويمكن أن نقول كلّ شيء عن الأدب؛ فذلك لا يصدم أحداً قط. والشعراء أشياء زائلة، يُسمح لهم بكلّ شيء، غير أن جمل بلانشو هذه تتجاوزُ الإطار الأدبي، وهذا بلا شك هو السببُ الذي يثير غضبي من أجله؛ ففي زمننا، بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد انكشاف الحقائق عن النازية، نكتشفُ بذعر إلى أين يمكن للبشرية أن تصل إذا ما تخلت عن القيم الشاملة التي تصنع مكانها إثبات القوّة؛ ففي تلك الفترة من التاريخ، إنما يعلّق بلانشو أنه لا ينبغي أن نأسف على تدمير القيم فحسب، بل ينبغي أيضاً أن نجند الأدب والنقد لهذه المهمّة النبيلة وهي: أن ندوس هذه القيم أكثر بقليل أيضاً. سيُقال لي أني أُدخل بصورة متعسفة اعتبارات سياسية في ذلك الموضع الذي لا يدورُ الأمر فيه إلاّ على أمور غير مؤذية كالأدب. بيد أن الانتقال قد حدث مسبقاً في نصّ بلانشو. ونحن نعلم أنّ بلانشو، قبل الحرب، كان قد جعل من نفسه ناطقاً بلسان نزعة معادية للسامية. ولقد تخلّى عن ذلك فيما بعد، وليس هذا هو الذي نأخذه عليه هنا. ولكنه، بعد الحرب، [إنّما يقترح علينا أن ننخرط في المعركة ضدّ القيم. إن انكشاف الفظاعات النازيّة لم يهزّ تلك القناعة، حتى ولو أنّ بلانشو، إضافة إلى ذلك، يتكلّم بقوّة ونبل عن معسكرات الإبادة: إن ردود فعله العاطفية والأمينة تبقى مُسقطة على مبادئه، وثمّة نصوص أخرى لـ بلانشو تُظهره بصورة خاصة متسامحاً تجاه الشمولية السوفييتية، وبما أنه يدرك الاستمرارية بين "موت الفلسفة" الأثير لديه، وثورة أوكتوبر، فهو يفضّلُ أن يقبل بهذه الثورة على أن يتخلّى عن تلك الفكرة [موت الفلسفة].
إن ثورة أوكتوبر ليست تجلياً للخطاب الفلسفي وحسب، تعظيماً له، ورؤيا نهائية، بل هي تحقيق له يدمره [...]؛ فمنذ قرن ونصف القرن، وتحت اسم الثورة، كما تحت اسم هيغل ونيتشه وهيدغر تثبتُ الفلسفة نفسها أو تحقق نهايتها الذاتية.
وبروح التخلّي عن القيم الشاملة، إنما يأخذ بلانشو على ياسبيرز أنه قد وضع الخطر النووي والخطر الشمولي على المستوى نفسه. في حين يتكلّم الفيلسوف الليبرالي، من غير معاينة ولا نقد، على الشمولية، ويتكلّم معه قسم كبير من الناس، هناك آخرون، ومعهم قسم كبير من الناس، يتكلّمون على التحرر، واكتمال الجماعة البشرية في جملتها.
إن بلانشو لا يحكمُ لصالح المدافعين عن الشمولية، ولا لصالح خصومها، بعد أن يرفض، "القيم القديمة"؛ ففي غياب كلّ معيار شامل، يصبح الأمر مسألة وجهة نظر؛ فالبعض يتكلّم على هذا النحو، والبعض الآخر على نحو مخالف [ولنتغاض عن حقيقة أن سكان العالم السوفييتي الذين، في نظر بلانشو، يفكرون جميعاً حسب العقيدة الرسمية، في حين أن ياسبيرز ما كان له أن يطلق إداناته، إلاّ لأنه لم يجر فحصاً نقدياً حقاً.
ذلك إذن هو الوجه السياسي لنظرية بلانشو الأدبية، فإذا ما قبل المرءُ هذه النظرية، فلابدّ له من أن يتحمّل تبعات ذلك الوجه. وتجد العقيدةُ النسبية والعدمية عنده نوعاً من مآل معين، ونصوصه التي لا تُعتبر مُعرضة عن أي قول، تقولُ علانية ما كان يمكن أن يبقى مضمراً في مواضع أخرى. إنها ليست نصوصاً غامضة، بل هي ظلامية. إن بلانشو حقاً ناقد-كاتب، ولكنه من نوع ينتمي، في نظري، إلى الماضي.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم