الدراما في عصر النهضه
سمي عصر النهضه الاوربيه بعصر (Renaissace) اي عصر الإحياء أو البعث لكونه ظهرت فيه روح جديدة من التفكير وهذه الروح اهم ما ميز التاريخ الحديث عن القرون الوسطى, إذ كان هذا النهوض بعد ان عانت اوربا من الجهل الذي نبع عن اشتداد سلطة الكنيسه التي خيمه على النفوس ولم يفرق المؤرخون في تلك القرون بين الحقيقه والخيال فضلاً عن اعتقاد العلماء بالخرافه والباحثون يتهمون باستخدام السحر للوصول الى غاياتهم وما كان لاحد ان يحيد عن حدود (الارثودكسيه) وهي دين الدوله والا اعدم علنا لاشراكه. ( )ولابد لنا ان نذكر هنا المفكر (دانتي) المبشر الاول بعصر النهضه إذ قدم لها الكوميديا الالهيه ودخل جوهرها مصورا القرن الثالث عشر عصر الاختلاط بالغرابه وبين مقارنات شتى في الايمان والفروسيه والعظمه والعنف والفساد والشيطان والقديس والروح والجسد ناشرا الاحاسيس التي انغمس الناس فيها والقناعات المكبوته والرياء الماكر الرابض في القداسه نفسها, لقد عمل دانتي على ان يكون في مركز التيار الفكري لعصره بما فيه الكفاية وفي الوقت نفسه يكون خارجه بما فيه الكفايه لينجز مهمته, مما جعلة يختار لغة العامة الدارجة الا انها لغة مالوفه لدى رجال الادب آنذاك, وجعل دانتي الموضوع -الفحوى-الفكرة- هو العنصر الاول في الادب الرفيع والذي اسماه (بالماساوي) -ثقل المعنى-( ), كان للنهضه عدة اوجه في كل مجالات الحياة – الحركه العلمية, اختراع الطباعه, الاصلاح الديني – وحتى في دراسه الانسان إذ بدات ثقافه جديده – ويبدو ان لعصر النهضه في انكلترا طابع خاص اختلف عن بلدان اخرى وخاصة عن ايطاليا وفرنسا ويرجع الامر في ذلك الى عدة اسباب اهمها الظروف السياسية والاجتماعية التي حكمت تطورالمجتمعات الاوربية وخصوصا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر فكانت ايطاليا صاحبة الثورة المتميزة في مجالي الفكر والفن بالاضافة الى انعاش التراث الفلسفي والادبي الذي خلفه اليونان والرومان الاوائل, اما فرنسا فقد سعت في هذا العصر الى النهوض باللغه الفرنسيه وادخالها كوسيط للتعبير الادبي الناضج اما عصر النهضه في انكلترا فقد اتسم بطابع سياسي جوهره تحقيق الوحده القوميه في اطار دوله مركزيه واحده وذلك من خلال دفع المؤسسات الوطنيه من سياسية واجتماعية ودينية والسيطرة على ٍالتكتلات الاقطاعيه ومواجهة الكنيسه في تحديد هيمنتها على العالم المسيحي. ولقد ظلت هذه النزعه بمثابة الحافز الاساس للنهوض الحضاري في اوربا وعلى مدى عدة قرون ( ) لذا كان لابد للبعد السياسي والاجتماعي ان ينعكس على النتاج الادبي والدرامي على وجه الخصوص, فلم تكن الدراما تكتب طبقا لمواصفات هوراس اوقوانين أرسطو بل اصبحت تاخذ كيانا جديدا من روح العصر نفسه وفلسفته الاجتماعيه ولكن هذا الامر لايعني ان المسرح قد بدا من مرحلة الصفر بل هو امتزاج لثلاث قوى - المسرح الكلاسيكي الذي ظهر اثره في مسرح شكسبير, روح العصر, التقاليد الفنيه للدراما في العصورالوسطى –وهي التقاليد التى من غيرها لايستطيع احد ان يبني شيئا - 0
انتعشت الكوميديا في ايطاليا على ايدي ماكيافلي ومعاصريه اريستو Ariotso وارتينوAretino إذ صوروا حياة العصر بقسوه وصراحة غير مالوفه آنذاك فارتينو يقول انا لااصور الناس كما يجب ان يكونوا بل كما هم في الحياة, وقد تكون هذه هي البدايه الفعليه التى اوصلت المسرح الى الواقعيه والمسرح الحديث, اما ماكيافللي فقد اهتم ببلورت اخلاقيات ومشاعرعصره فالغش والخديعه وسقوط الانسان كلها اشياء عمل ماكيافلي على طرحها بطريقة فلسفية لتحمل بذلك مكانتها الفكريه في المحتوى الادبي والدرامي في عصر النهضه ( )كما ان ماكيافيللي استغرق بدراسه التاريخ زمنا خرج بعدها بعدة مبادئ ارتسمت في كتبه واعماله, استخلصها من تجاربه وعلاقاته بالملوك والرؤساء فضلاً عن اسفاره, وهذه المبادئ يمكن اجمالها كالاتي:-
1- لا يتطور المجتمع بفعل قوى غيبيه, وانما يتطور طبقا لاسباب طبيعيه مادية.
2- لاتوجد قوانين ثابته تتحكم في حركة التاريخ أو توجيهه, بقدر ماتقوم هذه الحركه على العفويه والمصادفة و(المصلحة الشخصية) والقوة.
3- لايمكن لانصاف الحلول ان تؤدي الى نتيجة أو غاية كاملة.
4- لايمكن لحكم ان يسود الا اذا قام على قوة السيف, ولايمكن ان تسود القوة والسيف الا اذا قاما على الارادة والعزيمة, ولايمكن ان تقوم اراده العزيمه الا اذا سندهما الذكاء والطموح.
5- لامفر من الحرب اذا اقتضتها الضرورة, ولامفر من السلاح اذا لم يكن ثمه امل الا على يديه.
6- لا يصلح الرعيه الا بحاكم فرد, مستبد عادل في الوقت نفسه يضع نصب عينيه الأمن والمجد, واذا وجد هذا الحاكم فعليه ان يغتنم كل الفرص لتحقيق أهدافه وان يقيم دعائم حكمه على القانون والجيش فسلامه الرعيه والبلاد يجب ان الا يقفا امام المحافظة عليها اي اعتبار.
7- الكنيسه عامل هدم وتقويض لاركان الدوله وافساد لرعاياها وتمزيق لوحدتها. ( )
الا ان كوميديا (الايروديتا) وهوالاسم الذي اطلق على كوميديا هؤلاء الكتاب الثلاثه صاحبه ظهور لكوميديا من نوع اخر في ايطاليا ايضا في منتصف القرن السادس عشر(كوميديا دي لارتى)اي كوميديا الصنعة وهي تختار انماطا محدده من الشخصيات والمواضيع كالاعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية فضلاً عن الشخصيات الثابته كالدكتور والعاشق والمتسول والسكير وهي شخصيات نمطيه تقوم بحفظ مجموعه من النكات والمواقف الساخره والتي لاتعتمد على اي نص وان وجد فهو لايذكر( )وعلى الرغم من اندثارها السريع الا أن تأثيرها الكبير في كتابات اعظم كتاب عصر النهضه ونجدها واضحه في مسرحيه العاصفه وترويض النمره لشكسبير متمثله في شخصيه التاجر البخيل كما اننا لاننسى شخصيه المهرج التي لمعت بصوره واضحه في ادب شكسبير, كما ان للشعر في عصر النهضه فعله المباشر في الدراما فقد كان لادموند سبنسر (1552-1599) طروحات في الانسان وكيفية انشاء الرجل المهذب بالتدريب على الفضيلة والنبل ونجد ذلك واضحا في قصيده (ملكة الجن) التي تعد خير ما كتب سبنسر وهي قصه ملك اسمه ارثر وهي تحمل من التصوير اكثر مما تحمل من الموعظه. كما ان للمفكر فرانسيس بيكن الفضل في وضع وادخال الطريقه الاستقرائيه (الفلسفه التجريبيه) في ادب عصر النهضه والتي تهدف الى ضرورة السير من الخاص الى العام إذ يجب ان يكون غرض الانسان الاول هو تحصيل المعرفة, إذ إن افكار بيكن الفلسفيه طغت على أعماله الادبية فهو ينحط الى الدرك الاسفل من الاخلاق اذا اقتضى الامر في كتاباته والخلق لديه غرض ثانوي, فكتب –خير سلوك تسلك ما يعمل على ان يذيع اسمك بين الناس,وان تكتم عاداتك, وان تنافق ان كان وراء النفاق نفع, وان تمتلك القدره على التظاهر اذا عدمت العلاج – وفي مكان اخر نجده يؤكد ان القدره على فعل الخير هي الغرض الحق المشروع الذي ينبغي لنا ان نسعى اليه, فهو يجمع بين النقيضين والى التقاء الخير والشر في شخصه.( ) وفي مسرحية (المهابه) لجون سكيلتون التي ظهرت في النصف الاول من القرن السادس عشر التي تقدم لنا شخصيه مركزيه متمثله بامير يتعرض الى الخداع والزيف وفساد البلاط بالاضافه الى الحماقه ليقع بالفقر والياس ومن ثم ينجو من الحضيض بالرجوع الى الدين, وهذه المسرحية هي التي فسحت المجال امام السير ديفيد ليندسي ليكتب مسرحيته (هجاء العازبات الثلاثه) عام 1550م والتي تحمل في طياتها مناظرة تجري بين الاجتهاد والاسراف في حضرة الملك الانساني حامله الكثير من الاحداث التي يشن بها هجموما على الفساد الانساني الذي يدخل في الدين والسياسه ويكون ضحيتها الانسان الفقير وهو هنا الشخصيه المركزيه في دائره الاحداث ان ابيات ليندسي تتمتع بقوة الخيال ورسم الصور الشعرية فهو يرسم بكلماته عالما مليئاً بالجمال والصراعات الاخلاقيه في نفسه الوقت, المسرحية تتجاوز مثيلاتها من المسرحيات الاخلاقيه المعاصره.( ) كان لهذا الدخول في الطروحات التي اهتمت بالفساد الانساني تحول ساعد الدراما على فتح افاق جديدة داخل النفس البشريه وخصوصا في عمليه المعالجه فبعد انطفاء التاثيرات الدينيه وتعاليمها المباشرة على حياة الناس بدا عهد مناقشة هذه التعاليم من وجهه نظر انسانية اكثر مما هي وجهة نظر فوقية مقدسه, فدخلت المسرحيات الاخلاقيه الدينيه مدخلا اخر يحمل صراعات الانسان المنهك من الدين والسياسه حاملا احلامه ومبادئه في مواقف يتخذها من التيار الحضاري السائد في المجتمع, كما ان للسياسه الدور الكبير في تغيير كثير من الافكار والمعتقدات في القرن السادس عشر فالتحول الذي مارسه الملك هنري الثامن (1506-1547م) في موقفه من المدافع الاول عن العقيده الكاثوليكيه الى مهاجم شرس ضدها
– عندما رفضت الكنيسه طلاقه من كاترين- وتزعمه لحركه الاصلاح الديني
ونصب نفسه رئيسا للكنيسة وتبني ( كتاب الصلوات ) الذي وضعه
كرانمر, ( )صاحبه تحول بالافكار الاجتماعيه والفلسفه إذ اصبح هناك حريه وفسحه اكبر مما كانت موجوده في السابق غير ان الامر صاحبه اهتزاز بمواقف الانسان داخل المجتمع استنادا الى موقف ملكهم هنري الثامن مما انشأ ادب درامي يمزج بين الفضيله والرذيله في ثوب واحد, فنجد قبل عام 1548م كان (جون بيل) قد كتب مسرحيه (الملك جون) إذ اكتسبت المسرحيه الدينيه والاخلاقيه هيأة جديدة.
تجسدت بالجمع لشخصيات مثل الملك جون الكاردينال باندولف والبابا مع شخصيات من طبقه اخرى وهي رجال الدين ومرتبطه بمفردات مغايره كالثروة الفرديه والانحلال والسلطان المغتصب والخيانه العظمى. كما ان الامر لم يتوقف عند هذا الحد فبعد اقل من اربعين عاما جمع الممثل الهزلي (تارلتون) بين دورين – دور القاضي ودور المضحك - في مسرحيه (هنري الخامس) مما كسر حدود المتناقضات في تكون اللعبة الدرامية التي عرفتها اوربا قبل عصر النهضه ( ) لقد تاسست في هذا العصر بنى دراميه ارتبطت ارتباطا وثيقا مع متطلبات البنى الاجتماعيه التي سادت العصر مما جعل كتاب المسرح يبدون اكثر تباينا في كتاباتهم عن كتاب المرحله التي سبقت مرحله عصر النهضه, فالدراما بدات تاخذ طريقها نحو المجتمع لتعالج قضاياه أو تقوم بطرحها, متلاحمه بذلك مع الناس البسطاء ومتداخله في صلب المواضيع الحياتيه. ولقد كان المسرح الاليزابيثي في مرحلة ازدهاره الاولى نتاجا شعبيا حقيقيا ضرب فيه عرض الحائط كل النظريات ففي نشاط فرقة (الكلوب) التي كان شكسبير احد اعضائها –تجسد جوهر الممارسه العملية والمرونة والتغيير متوجها نحو التفاعل الحي مع الفكر الذي بدا يرتبط بحاجات المجتمع وتغيير الواقع الحياتي. ( )ولكي تتضح الصورة اكثر نجد ان المسرح قد دخل الى قلب الكنيسه إذ تحولت غرفه في دير(بلاك فرايزر-الرهبان السود)الى دار للتمثيل على يد (ريتشارد فرانت) رئيس فرقه ابناء الكنيسه الملكيه التي قامت بعرض مسرحيات مالوفه لديهم في رواياتهم, وهذا الامر نجده قد تحقق في فرنسا ايضا, وفي نفس الوقت تقريبا نشطت مجموعه من الشباب المتعلم آن ذاك من شباب جامعه اكسفورد (روبرت كرين, توماس لودج,جون ليلي, توماس كيد وسانت جون) الذين بداوا بالكتابه في اللهجة الدارجه. اما في عام 1584م كتب (ليلي) مسرحيه كامباسبي ومسرحيه سافووفاو ومسرحية جلاتيا وقد جمع ليلي في هذه المؤلفات بين القديم والجديد من الالوان إذ اتقن روح الكتاب الكلاسيين, ففي كتاباته نجد حزم بلا خوف وكرم بلا تقليد إذ دمر طيبه ولكنه لم يسم اهلها سوء العذاب, ودمر الحصون ولكنه لم ينثر الجثث على جوانب الطريق, وفتح بلا قتال, وهي حرب ضروس في سلم رقيق. لقد كان ليلي محدود الغايه ويعمل على تناسق الاسلوب والمحتوى والتقليل من طابع التهريج في المناظر الهزليه, كما ان الانسان لديه يصنع الواقع من حوله من خلال وجود العقل الفاعل الذي قام بالاشتغال عليه, إذ ان عقل الانسان هو المحرك الاول لجميع الضروف المحيطه به وبامكانه ان يلين الماساة من خلاله. ( )
كما إنَّ ألإيقاع التكويني لأي شعبٍ من الشعوب يختلف عن غيره وفق مبدا الخصوصيه في الجزء ألأعظم منه،لكنه يشترك في بعضه إلاّ في حالات نادرة يتنافر فيه ألإيقاع بين شعب اومجتمع اوفئة ما وهذا يأتي من خلال أسلوب البناء ألإيقاعي لذلك المجتمع وفق ما أملي عليه منذ كان جنيناً وعاش في بيئته التي حتمت عليه ان ينضوي تحت لوائها00وفي حال إستمرار هذا المجتمع بإنقطاعه عن ألإتصال والتواصل مع المجتمعات ألأخرى،فإنه يحتفظ بإيقاعية خاصة به لكنها في معظمها إيقاعية ساكنة رتيبة لانها خارج حدود التفاعل الانساني مع بقيه التجارب البشريه وهي في كل الاحوال تبقى غير مكتمله التجربه ويتقبلها الانسان من جانب إحترامه لإيقاعية حياة الشعوب ألأخرى،مثال ذلك حياة مجتمعات ألأسكيمو والقبائل البدائية في استراليا وألإيقاع الثابت في دراما الفولكلور للشعوب المختلفة مثل دراما النو والكابوكي والمسرح الصيني 00الخ0إنَّ إيقاع دراما العصور الوسطى لا يمكن تقبله في مجتمع عصر النهضه الاوربيه لكونه لاينتمي لها وعدم الانتماء هذا جعل من تاسيس ايقاع جديد للدراما ضروره ملحه نشأت من اول خطوه كانت في طريق الكلاسيكيه الجديده ( ). سار الانسان متفاعلا مع (الزمان والمكان) وتجاربه الفردية والجماعية حتى دخل عصر العلم، الذي يعتمد (التجربة)، التي فتحت امامه عصر الكشف والاستبصارففي عصر النهضة ظهر مسرح البلاط في اواخر القرن الخامس عشر ليقدم المسرحيات ذات الطابع الديني ثم الدنيوي ـ ومن اشهر كتاب ذلك العصر الذين جسدوا تأثير النهضة (جوان ويل انسينا) (1468 ـ 1529) ولو كاس فرناندز (1474 ـ 1542) ثم جيل فيسنته (1465 ـ 1537) ماديه لاتتورع عن الانغماس في الملذات حتى بعالم الروح كأن يلطم البابا على وجهه, ثم تلك القسوة التي قطع بها الشياطين جسد فاوست والسبب يرجع الى ان العصر الاليزابيثي قد تميز ببشاعه الانتقام وسفك الدماء,لكونه لا يكاد يتخلص من مساوئ العصور الوسطى التي شهدت سفك الدماء والنزاع الديني والطبقي العنيفين., كما ان شيوع السحر في تلك الحقبة وعدّ الساحر خادم للشيطان يسلمه روحه بعقد تنازل مقابل ثم جاء المسرح المحترف بعد ان أسهمت عدة عوامل في تأسيس المسرح المحترف في اسبانيا اهمها التأثر بالفرق الايطالية (الكوميدي دي لارثي) كما حدث في انكلترا والتي كانت تقوم بزيارات لاسبانيا ولا يمكن ايضا تجاهل اثر كتاب المسرح الكلاسيكي الذين قاموا بترجمة المسرحيات الكلاسيكية ومن ابرزهم بيريزدي اوليفا (1494 ـ 1533) الذي ترجم اعمال سوفوكليس ويوربيدس وبلاوثومس جانب المسرحيات السينكية التي كتبها خوان دي لاكويفال (1550 ـ 1610) للفرق المسرحية التجارية في اشبيلية ولعل دي سرفانتس سافيدرا (1547 ـ 1616) اشهر كتاب هذه المرحلة في الادب الاسباني عامة. وقد وافق ظهور الاعمال الدرامية لكل من كويفا وسرفانتس ظهور المسارح التجارية في المدن الاسبانية الرئيسة، اما في العصر الذهبي للمسرح المحترف فقد كتب لوب دي فيجا (1562 ـ 1635) ما يقارب الـ 1500 مسرحية حسب زعمه وكان يقدم مجتمعا من الملوك والنبلاء والعامة وكانت قضاياه تنحصر في قضايا الشرف والفرق بين الحياة في العاصمة وهدوء الحياة ومباهجها في الريف كما حاول ان يصور الصراع بين النظام والفوضى وبين التناسق والانسجام الذي يريده الله في الخلق. وقد ميز الباحثون المبادئ العامة التي تتصف بها مسرحيات القرن السابع عشر عموما كالآتي: الاهتمام الاساسي على الحدث وليس على رسم الشخصيات، اولوية الموضوع على الحدث، اخضاع الموضوعات للاغراض الاخلاقية، توضيح الهدف الاخلاقي بواسطة الكوارث الدرامي. ( )لقد عرضت الدراما الاسبانيه في عصر النهضه مفهوم الواقع المعاش وفق تصورات المجتمع طارحة الانسان وهو يعاني الكبت والحرمان دون ان يحيد عن اخلاقياته وان تجسدت بعض الشخصيات على مستوى ادنى من المبادئ الرفيعه التي ينادي بها هذا العصر, الا اننا نجد في الجهة الثانيه من اوربا في الوقت نفس تقريبا بانكلترا (كريستوفر مارلو1564-1593) يجسد لنا التمرد على المواضيع السائده, عارضاً رغبه الانسان الفرد في بلوغ المستحيل, فالانسان يجب ان يكون لديه الروح الجسور المتطلعة نحو القوة والثروة والمعرفة والسلطان, فمسرحية (تيمورلنك) (دكتور فاوست) (ويهودي مالطا) ففي مسرحيه تيمورلنك يعرض لنا الانسان المتطلع نحو تحقيق وجوده في هذا العالم حتى وان تتطلب الامر ان يتحالف مع اعداء وطنه فالغايه هنا تبرر الوسيله لديه إذ ان كل شيء مباح في سبيل الوصول الى الهدف الاول وهو الانا وان وجد الضمير الا انه يحضر متاخرا. ومسرحية دكتور فاوست فقد جمعت بين شخوص يحملون دوافع متباينه الا ان الطريقة كانت هي القضاء على انسانيه الانسان وتهديمه من الداخل حتى لايستطيع الوقوف ثانية فشخصيه (ميفيستوفيليس) يعترف بانه الروح التي تنكر ولا تؤمن ابدا لكنه كجزء من القوى التي ترتكب الشر يخلق في الوقت نفسه الخير, فضلاً عن ان شخصيه فاوست هنا شخصيه انجازات دنيويه وتحقيق طموحاته جعل من مسرحيه دكتور فاوست معبرا صادقا عن روح العصر إذ عمل مارلو على البحث في كنه الانسان والطبيعه وتجسيد الشرور والفضائل كالصداقه والسعاده والحب والمرح والشهوه والجشع, تلك القيم الفطريه التي تسيطر على روح الانسان.( ) تبرز طاقته كمسرحي يتفهم واقع عصره مسجلا النزاعات الدائرة وتملك جموعاً ضخما في المشاعر وتسلط الضوء بحدس خارق على المتناقضات الرئيسة في المجتمع,ففي مسرحيته (تيمورلنك) يصور مارلو الانهيار الداخلي اولاً ثم التاريخي وفي فاوست يبحر في الاغراء السحيق الغور لعلم لم يكن بعد قد تحرر كليا من الاعتقاد بعالم ما ورائي بشرائعه الاخلاقية. كما ان مارلو عمل على عملقة الشخوص وهذا ما اشار اليه (فيتو باوندولفي)اذ اكد في كتابه (تاريخ المسرح) ان عملقة الشخوص التي تخيلها مارلو جاءت من الطريق الذي اختطه برومينيوس اسخيلوس بتصميمه على زيادة قدرة البشر, فنرى انه عندما تنقض المأساة في (ادوارد الثاني) بسبب وهن حتمي تعود الى الكارثة فتنقلب العملقة الى هوى عملاق ايضاً,فمارلو يقوم بقذف البطل في غياهب المجهول, حيث لا يسعه الا ان يواجه الموت والفناء. لقد استمد مارلو من انهيار ادوارد رؤية عملاقة عن الانسان, هي رؤية يقوده اليها عمل عصر النهضة الايديولوجي الذي يستخلص منه نتائج ذات منطق متقدم. ( )ويرى الباحث ان من الضروري التطرق الى تأسيس الدراما الألمانية،اذ لم يتبع الألمان النمط الايطالي ولا النمط الفرنسي في تكوين الدراما, فانصب اهتمامهم على فيلولوجيا وفلسفة اللغة,فقد عمل الألمان على العناية في الدراما باللغة الكلاسيكية كما أطلق عليها والتي تختلف عن لغة اليوم ولغة الحديث العادية, بدأ هذا الاتجاه الى لغة كلاسيكية منذ بدايات عصر النهضة الأوروبي, وهكذا بدأت التعليمية بانشاء مدارس خاصة بفنون التمثيل تدرس فيها فنون الأداء والخطابة والالقاء, كما ان النمسا حذت حذو ألمانيا حين قررت اللغة الكلاسيكية في مناهج جامعة فينا Wien بجهود كونراد سلتين ولكن من منظور لغوي ألماني, أكد المنظور اللغوي الكلاسيكي في ألمـانيا الشـاعر جاكوب لوتـشرنك J. Lochernek في دراماته التي قدمها على مسرح جامعة فريبورج Freiburg تراجيديا الأتراك والسلطان، ترويج في شكل دراما, وقد ساعد عصر الاصلاح مارتن لوثر M. Luther على نشر اللغة في مدارس البروتستانت من خلال فرق التمثيل المسرحيه.وساعد كذلك نضوج آداب درامية عند جوته، شيللر، واوبرات عند فاجنر, جوته الشاعر والدرامي والقاص والنحات والوزير في مقاطعة فايمر ومبدع الأدب الكلاسيكي الألماني بادخاله تقنية الحديث والحوار على
اللغة، وتحديثه قواعد الابتعاد عن اللهجات المفسدة للغة الكلاسيكية. ( )ولايفوتنا
ان نذكر ان جوته قام بكتابة (الدكتور فاوست)هو ايضا, فقد اراد من
خلال معالجة خرافة الدكتور فاوست ان يتخذها اداه لمسرحيه الانفعالات المنبعثه من الرغبات المتصارعه في النفس البشرية من عزوفها عن الحياةاو التمسك بها من جهة اخرى, وجل ماتدور حوله هذه الماساة ان على الانسان ان يكون له من الشجاعة ما يواجه به الحياة بوصفها مغامرة من المغامرات وان يطلق فيها كل امكانياته لكي يتطور فيها تطورا كاملا حتى وان لزم الامر ان يوظف كل ما يوجد في حياته لهذه الغاية ( )سبق كريستوفر مارلو الالماني جوته في كتابة فاوست بحوالي اكثرمن 150سنة الا ان التباين في المعالجة كان بارزا فقد كان التوظيف نابع من روح التمرد لدى الاول ومن روح المواجهه لدى الثاني مما انشأ تفاعلا حقيقيا بين الادب الدرامي وروح العصر الذي تعيش فيه المسرحية.لقد دخلت كلمه التراجيديا في اللغه الانكليزيه اواخر القرن الرابع عشر إذ استخدمها تشوسر بمعنى قصه تحكي حياة احدى الشخصيات القديمة أو العظيمة ذات النهايات التعيسة, الا ان النهضة المسرحية في انكلترا خلال عصر اسرة تيودور وماتبعها من ازدهار اخر في العصر الاليزابيثي اعاد للكلمه مفهومها واصبحت تحمل المفهوم الدرامي للماساة, وقد حدث في نفس الوقت تضارب في المفاهيم المختلفة الى حد الصراع لما يجب ان تكون عليه الماساة الحقة إذ طالب (بن جونسون) معاصريه ان يلتزموا بقواعد الكلاسيكية وخاصة الوحدات الثلاث في المسرحيه وهي وحده الزمان- وحده المكان- ووحده الحدث, وكان في الجانب الاخر كتاب العصر الاليزابيثي (عصر التمرد الفكري – كما يسميه الباحث) وعلى راسهم شكسبير, الذين يكتبون مسرحياتهم دون الاعتراف بالوحدات الثلاثه, فضلاً عن انهم لايستخدمون الكورس ولا نجد هناك ضير في الخلط احيانا بين الماساة والملهاة وكان لترفع شكسبير على تحديدات الزمان والمكان تعرف لروح معتقدات القرون الوسطى التي كانت تتخذ من السماء والارض والجحيم مسرحا لها بينما كان تاريخ البشريه يمثل مقياسها الزمني, ولن نستطيع ان نفهم مسرحيات شكسبير التاريخية وكوميدياته الاخيره من دون ان نميز تراثا من الطقوس والرموز تمتد جذوره الى خيالات القرون الوسطى.( ) وقد يكون السبب في كون دراما عصر النهضة قد حملت هذا الكم الهائل من المتناقضات والطروحات التي لم تشهد الحياة قبل ذلك العصر هو ان ((هذا العصر بالرغم من رصانته واصالته الا انه لم يكن متعصبا متميزا لاتجاه بعينة وانما اتاح لجميع المسرحيين على اختلاف مشاربهم فرصة الظهور والحياة الملائمة حتى تمكن الجميع من ان يجدوا فرصه نادرة للتعبير عن طاقاتهم الفنية وتفجير هذه الطاقات الى اعلى درجة من الاشباع))( )
ان انتماء الانسان لمجتمع معين ضمن امكانيات ذلك المجتمع مهما كانت تلك الامكانيات نرى انه يسعى دوما لاثبات وجوده من خلاله كانسان مبدع اول, ومن خلال مجتمعه لذلك يلجا الى المسرح "بان المجتمع يلجا الىالعمل المسرحي الفني اذا اراد ان يؤكد(وجوده)او ان ينجز عملا حاسما في تاريخه لان النشاط الجماعي في واقعه هو خلق جماعي على مسرح التاريخ ".( ) ومن هنا كان الادب المسرحي ومازال ينقل الازمات سواء الفكريه الفلسفيه اوالواقعيه الراهنه إذ انه مرآة العصر الذي يعيشه. فنحن نتلمس ذلك في مسرحيات موليير التي حملت روح التمرد على كل مايسيء الى سمعت الانسان وينال من انسانيته وقد تضاربت الاراء حول اهداف مسرحيات موليير فمنهم (اي النقاد) من قال انه يهدف الى نشر مبادئ الحياة المتحررة الى حد المجون والتي تبيح كل الملذات وتسخرمن كل القيم ومنهم من قال ان موليير اراد في نقده للنفاق الديني النيل من الكنيسة والسخرية بها والانتقاص من تعاليم المسيحية هذا من جهه من جهه اخرى نجده لايحترم شيء اكثر من احترامه للديانه الصحيحة الا ان موليير نفسه يقول ان الغرض من المسرحيه الهزليه اصلاح عيوب الناس, ولكن في الواقع ان فكرة تقويم الاخلاق عن طريق الادب,فكره سادت كل كتاب القرن السابع عشر ولانجد كاتبا الا وهو يقدم عمله على انه اسهام منه في تقويم الاخلاق بتصويره للشر وابرازه للفضيله ولابد ان موليير عندما طرح الفكره كان فيها مدافع عن مسرحه امام هجمات النقاد الذين اتهموه بالالحاد وبالفسق.( ).لقد تميز عصرالنهضة بالنزعة الفردية في اغلب المجالات التي شهدت تطورا في وخصوصا في مجال العلوم الانسانية إذ اكد الانسانيون الثقه بالنفس البشرية التي تستطيع ان تنال من المشاكل المحيطه بها فضلاً عن كونها قادره على تسخير القوى الطبيعيه لخدمة الانسان والمجتمع ككل.( ) كما ان التمتع بالحرية الدينية التي شهدها عصر النهضة جمع من ادب هذا العصر يحمل طابعا مميزا خالياً من القيود الاجتماعيه التي تفرض عليه تعاليم دينيه نابعه من الحاجه الى الرجوع الى الكنيسه في كل امر قد يكون بسيطا ولكنه يحمل التزاما دينيا في طياته, فقد كان للملكه اليزابيث دورا كبيرا في حركه التحرر التي شهدها الادب المسرحي ان ذاك حتى سميَّ عصرها بالعصر الاليزابيثي وسميت الدراما بدراما العصر الاليزابيثي,فقد
وفقت هذه الملكة بين الطوائف الدينية مما انشأ استقرارا في مجال السياسه
والاقتصاد وساعد هذا الامر على ولاده التامل والتفكير والتوجه نحو النزعه الموضوعية في حل ومعالجة المواضيع الدراميه بصورة خاصة, وادى ظهور المسرحيات التاريخيه الى توطيد الصله بين المجتمع والقيم الاخلاقيه التي سعى لها عصر النهضه برؤى جديدة نابعة من بنية المجتمع نفسهه الذي بدا ينبذ الاساطير الخارقه واصبح اقرب الى الحقيقه من الخيال بالرغم من تناوله
في بعض الاحيان لمواضيع تناغم هذا المجال, لقد اصبحت تتبنى مواقف
فكريه ودينيه واجتماعيه بطريقه واسلوب العصر نفسه, فكان لتاثير الفلسفة الوضعيه على الادب المسرحي مرتبطا بطريقه المعالجه التي تناولتها المسرحيات لتبلغ غايتها فالامر يبدو كمقولة فرانسيس بيكون (ان خلط الكذب بالصدق مثل خلط الذهب بالفضه قد يسهل استعماله ولكنه يحط من قيمته. لان هذه السبل الملتوية تشبه سير الافعى فتسير سفلا على بطنها وليست سوية على اقدامها)"( ) وهذا الامر قد تحقق في اغلب مسرحيات شكسبير الذي يعدّ من اعظم كتاب هذا العصر والعصور التي تلته, فنجدها في شخصيه (ياغو) في مسرحيه عطيل وشخصيه (شايلوك) في مسرحية تاجر البندقيه وشخصيه ماكبث, إذ حملت هذه الشخوص صراعاتها من اجل تحقيق مصالحها الشخصية بعيدا عن الانتماء الى الآخر. الا اننا نادرا مانجد في شخوص مسرحيات شكسبير صورة مجرده من مثال خلقي معين بل نكاد نجدها مزيجا من عناصر الطبائع وتختلف نسبة العناصر من شخص الى اخر بل لكل منها عناصره الانسانيه المتمازجه, فهو لايصور النبل في شخص كاملا ولا الضعف في اخر شاملا, فالمتلقي لديه نجده
ينحاز الى عطيل القاتل وفي الوقت نفسه يعطف على ضحيته دزدمونه كما
انه يعطف احيانا على شايلوك المرابي.( ) كان شكسبير يعتمد في تصويره للمواقف وللشخصيات على الحوار الذي لم يكن كله من الجمل التي اعتاد الادباء ان يكتبوها بل كانت تتخللها اللفتات البعيدة يثب اليها الشخص وراء الحديث الى مايتداعى له من معاني كما عمل على اعتراضها بالكلمات المفردة التي تنم عن اضطراب النفوس اومخاوفها أو افراحها إذ كانت الكلمة الحزينة تثب بين عبارات السعادة فتبدو كانها دخيلة غريبة وفي نفس الوقت تنم عن اخفى حركات النفس وادق نامات الغرائز, فقدعمل شكسبير على عدم الاكتفاء بمخاطبة العقول بل امتد بالتغلغل الى الحس الخفي من الالهام ( )ان من اهم مميزات دراما شكسبير هي سخريته من الاشياء التي لاتظهر على حقيقتها إذ يعمد الى تصوير التناقض بين المظهر والحقيقه ببراعه فائقه فعطيل يبدو مخلصا والواقع هو غير ذلك ولا تظهر عليه الغيرة مع انه غيور وتكاد تحرقه الغيرة,ودزدمونة تبدو عفيفه كماهو الواقع الا ان عطيل لايظن هذا,لذا فشكسبير يلعب على الحقائق المتناقضه, لقد استمد شكسبيرمن الادبين اللاتيني والاغريقي مواضيع لمعظم مسرحياته إذ انشأ عدة مسرحيات تاريخيه منذ ابتدأ للمسرح فقد قام بالاتجاه نحو التاريخ الانكليزي وابتدأ باضعف الملوك واسوئهم ثم انتهى بمثله الاعلى في مسرحية هنري الخامس.( ) لقد لعبت السياسة دورا كبيرا في دراما عصر النهضه,اذ بنيت الملكيه على انقاض الاقطاعات ونشات البلاد نشأة قومية تمثلها الملكة,ثم تحقق بعد ذلك استقرار اقتصادي كثرت فيه الثروات مما هيأ نمو بالادب المسرحي فقامت في انكلترا حركة من التاليف والتمثيل معا وكانت الملكة اليزابيث على راس تلك الحركة وكان النبلاء يرعونها وكل ذلك هيأ لشكسبير ان يكتب شعره المسرحي ليرضي حاجة ادبية في نفس الجماهير.( ) قد تكون الحاجة هي التي دفعت كتاب الدراما في عصر النهضة يكتبون روائعهم سواء في التراجيديا أو في الكوميديا(اي حاجة المجتمع) الا انها تبقى حامله لروح التطور والتمرد في ان واحد, كما تجسد هذا التمرد بالموضوعات التي تناولتها الدراما وبالشكل العام لها فقد كان تمردا بالشكل والمضمون.
?
الواقعية في المسرح
هو الاتجاه الذي تتغلب فيه الحقيقة على كل من العقل والتفكير . ويعد هذا الاتجاه متفرعا من الاتجاه الواقعي واحدا من الاتجاهات الحديثة القادر على نقل الافكار والمعاني من خلال الايهام الكامل في خطاب العرض المسرحي . بينما يقتصر المؤلف او الكاتب الطبيعي على تصوير الحقيقة المجردة وكشف بواطنها كشفا لا يحفل بالحياة او التقاليد ، وهو لا يسمح لتفكيره مطلقا بالتدخل في شأن هذا التصوير ، كما يضع الكاتب الواقعي . وهو بدوره يقوم بكتابة المسرحية ويعمل على تقليل ما امكن من العناصر الموضوعة وبجعل عقدته البسيطة ، كما يقلل من الحركة ، ويستعمل ايضا الحوار الطبيعي الذي يتبادله المتحدثون حيثما انفق الحوار الخالي من التزويق والذي لا تربطه بين اطرافه روابط التصنع . لانه حوار سائر كالذي يحدث بين الناس في حياتهم العامة . ومن اجل هذا لا يخاطب الناس الا بلهجاتهم الدارجة التي خلقتها لهم البيئة وطول الممارسة فلغته لهذا ابسط اللغات . اما الموضع فيختار موضوع مسرحيته من احداث العصر الذي يعيش فيه والبيئة التي يحيا بها ، بل من اكثر الموضوعات جدة واقربها الى امزجة الجمهور .ويعد (انطوان) صاحب هذا النوع من الاتجاهات .
اندريه انطوان*
يعد (انطوان) ممثل الاتجاه الطبيعي في الاخراج المسرحي ورائده والذي نظمه في عام (1887)م، وقد وضع فن الاخراج باتجاهين متعاصرين بالضرورة في عمل المخرج. اتجاه تشكيلي يشمل (الديكور، والازياء، والاضاءة … الخ) واتجاه اخر هو داخلي. وهذا الاخير هو في الواقع فن الكشف عن الاعماق الدفينة للنص المسرحي، ويقصد بها الاسرار النفسية الدفينة للشخصيات. لذلك فالاتجاه الذي يتبناه (انطوان) يقوم على ملائمة النص المسرحي شكلا ومضمونا لتفسير الاعماق الدفينة للحياة التي تقف وراء كلمات النص، وعلاقته الاساسية بالنص تكمن في احترام مؤلفه و التمسك بملاحظاته، وعدم رغبته في الاضافة او الحذف مما هو موجود في داخل النص. فعملية اختيار النصوص هي اهم دوافعه والتي ترتبط بالواقع الاجتماعي – أي تصوير الدقة التي تكاد تصل الى حد التصوير الفوتوغرافي ، من اجل الوصول الى مسرح خال من الزيف او من دون اعادة في الصياغة او اعادة الخلق – أي ان الوظيفة الاساسية للعرض هي تجسيد شريحة من الحياة لاضفاء طبيعة جديدة، وتحقيق الايهام الكامل على خشبة المسرح .
يعتمد (انطوان ) في عمله المسرحي على ممثلين هواة لاغيا بذلك فكرة الممثل النجم (البطل)، فالممثل هو عنصر اساسي في الانتاج المسرحي ويخضع في ادائه الحركي الى تفسيرات المخرج للنص ويلائم الممثل كل ما يبغيه النص المسرحي من التجسيد الحركي، ولذلك فعلى الممثل ان يصبح اداة معدة اعدادا كاملا لخدمة المؤلف (النص) وهو يحتاج من اجل ذلك الى تربية تقنية فيزيقية، تكسب جسمه ووجهه وصوته الليونة المطاوعة للتعبير، ليتحتم على الممثلين المطاوعة للحركة التي تحملهاالمسرحية، لان الحركة هي اقوى وسائل التعبير السليم لغرض ايصال المعنى الواسع الى المسرحية والفكرة المجسدة، فيترتب عليه ان يتدرب تدريبا تقنيا وفيزيقيا عاليا، ويعني بتربية صوته ليكسب ليونة التعبير عن متطلبات الشخصية وموقفها من الاحداث الجارية، ومن ثم يعمل 0انطوان) على بناء الممثل من اجل عدم اظهار الحركات الخارجية الزائفة والبعيدة عن افكار النص، والتي لا تعبر عن تلك الشخصية في مواقفها واحداثها .
يتمثل (الفضاء المسرحي) المستخدم في مسرح انطوان ببيئة منزلية صرفة وفي غرف مؤثثة بما يوجد داخل المنزل، وكأن الممثلين في اثناء التدريب لا يعرفون في الواقع أي حائط سيزال من حوائط الغرفة ليسمح للمتفرجين برؤية ما يقومون به في الداخل. ويشمل ذلك الديكور الذي يجسد ابعاد تلك البيئة، فهو لا يؤمن بالمنظر الشكلي لصورة الحياة الواقعية، وانما يتخطى ذلك الى خلق صورة طبيعية شبيهة بالحياة، فاراد ان يكون المنظر شيئا اكثر من اطار هارموني موظف لحركة الممثل، فالمكان يجب ان يكون البيئة التي شكلت لحياة الاحداث عند الشخصيات، فاصبحت البيئة هي التي تقرر حركة الشخصيات، وليس الشخصيات هي التي تقرر البيئة ومن خلال المنظر المسرحي وحركة الممثل داخله ركز (انطوان) على عنصر الايهام في العرض المسرحي الى حد الذي كان يخدم بعض العناصر الواقعية الحية ليضعها على خشبة المسرح، ويصر على عدم استخدام الديكور نفسه في اكثر من عمل واحد. فضلا عن ذلك استطاعت المناظر ان تدعم المسرحية وان الاكسسوار قد يقدم بادوار مثله قبل الممثلين- أي ان المناظر يجب ان تعطي صورة صادقة للواقع والحياة اليومية الى حد انه كان يمكن مثلا تقديم مشهد تظهر فيه على المسرح شريحة من اللحم . نفهم من ذلك ان اندريه انطوان وضع لكل مسرحية ديكورا خاصا بها من اجل التنوع في البيئة المستخدمة للشخصيات التي تفسر الاحداث والمواقف داخل النص المعد مسبقا.
استخدم (الاضاءة) في اعماله المسرحية، فكانت مصادر الضوء واضحة كالشمس والقمر…الخ كما عارض وجود الاضاءة السفلى، لان اتجاه اشعتها يخالف الواقع. ولم يكتف بغلق الاجواء الداخلية على خشبة المسرح فحسب، بل سعى الى تحقيق الاجواء الخارجية من خلال الاستخدام الامثل للمؤثرات الصوتية كمؤثرات للتعبير عن الحيوانات كالعصافير والضفادع وغيرها، واستخدم الاضاءة المناسبة لليل والنهار. كما كان يستخدم الاكسسوارات والازياء والموسيقى الحقيقية على المسرح، فانه يصر على ان يكون الانتاج باعلى المستويات . وتعد مسرحية ( كبرياء كانيل ) لمؤلفها (هاوبتمان ) واخراج (انطوان) كمثال للاتجاه الطبيعي .
قسطنطين ستانسلامسكي*:-
يعتمد اتجاهه المسرحي على دعامتين رئيستين هما (النص المسرحي) الذي له وظيفة او رسالة اجتماعية، و(الممثل) المسؤول عن نقل هذه الوظيفة او الرسالة الى المتلقي، لكون الاول هو همزة الوصل بين المسرح والانسان. فالنص لديه مجرد موح ومنشط لملكة الابداع، فاصبح يعامل الكاتب بامانة واحترام، والمخرج بدوره هو المترجم الامين لافكار المؤلف، وقائد العمل المسرحي –أي انه يعمل على فهم النص المسرحي فهما دقيقا ومستفيظا، كأن يتعرف نوع المسرحية، او اتجاهها الاخراجي، وكل ما يتعلق بالممثل والكشف عن حقائق حياة الدور. والهدف من ذلك هو ايصال مشاعر النص المركبة والمعقدة الى شعور الممثل لتحليل افكار النص وتنظيم خط الفعل والتركيز على الفكرة الاساسية وتحديد هدفها والهدف الاعلى للمؤلف ورسم محاور النص من صراع ومشاعر وتتبع لاحاسيس ومشاعر المؤلف الكامنة في خطوط النص المسرحي المتشابكة الاغراض والاهداف .
يشبه (ستانسلافسكي) الممثل بالفتاة الصغيرة ، اذ يقول في هذا " شأن الممثل شأن الفتاة الصغيرة التي تؤمن بان دميتها كائن حي قدر ايمانها بالحياة التي تحيط بها ، ففي لحظة ظهور (لو) السحرية تراه ينتقل من مستوى حياة واقعية الى ضرب اخر من الحياة ، حياة خلقها بنفسه في مخيلته ، انه ، ما ان يؤمن بها ، حتى يكون مستعدا للشروع في عمله الخلاق "
يقترب المنظر المسرحي لديه من الواقع، فضلا عن الملحقات الاخرى التي تدخل ضمنه والتي تاخذ هي الاخرى الشكل الواقعي او تستعمل نفسها من دون تغيير او تحوير وتوضع على المسرح في المكان المخصص لها.
كما اراد من الديكور ان يحدد حركة الممثل، وتحقيق الاجواء الخارجية من اجل الوصول الى الدقة المتناهية في العرض المسرحي وابرزها، وتعريفها الى المتلقي لتجسيدها على المسرح، معتمدا في ذلك على الممثل الجيد والمنظر المسرحي الواقعي.كما استخدم الاضاءة من اجل تحقيق الاجواء الخارجية، لذلك سعى الى الاهتمام بها من اجل تحقيق الواقعية، فاصبحت قادرة على تصوير الظواهر الطبيعية والتاثيرات النفسية للفرد والمجتمع. فضلا عن استخدام الموسيقى في تحقيق الواقعية من خلال الموسيقى الحية التي استخدمها في اغلب اعماله المسرحية . وتعد مسرحية (طائر النورس ) لمؤلفها (تشيخوف) كمثال للاتجاه الواقعي الذي اخرجها (ستانلافسكي) والتي تكشف عن الجذور النفسية والشخصية بدقة وعن واقعها الرائد .
2- الاتجاه الرمزي والتعبيري
تعد الرمزية ضمن اصول الفنون كلها ، بل وتمتد حتى الى جذور الحياة جميعا بل نحن لا نستطيع تفسير هذه الحياة الا عن طريق الرموز التي تستخدمها على مر العصور وهذا يؤدي الى ان الرمزية تستخدم الرموز فقط وفقا للقواعد ، والرمز علامة مرئية للفكر . ويمثل (كريج ) الاتجاه الرمزي في الفن المسرحي الحديث .
ادوارد كوردن كريج *
يؤكد (كريج) على اهمية دور المخرج وحظوره الفني ، بوصفه شخصية مستقلة واسعة المعرفة ، ملم بالكتابة المسرحية ، والتاليف والموسيقى ، وبفن العمارة المسرحية ، وفن الرسم وغيرها من الامور الفنية الاخرى ، فبالايماء تخلقون على المسرح الايهام بكل شيء ، وبالحركة تتمكنون من التعبير عن افكار الجماعات وتساعدون الممثل على التعبير عن احاسيس الشخصية التي يتقمصونها .
لم يعتمد (كريج) على النص المسرحي الا في حدود قدرته على الايماء بمعنى عام وباحساس عام ، ثم يترجم هذا المعنى وذلك الاحساس مستبقا باقل من الكلمات ، ومعلنا الوسائل الاخرى كالجست (الاشارة) وحركة الممثل ، وقطع ولون الزي المسرحي ، وغيرها وصولا الى التعبير الصامت ( البانتوميم) الذي يبدأ اهتمامه بهذا الفن عام 1904 ، وتوقع ان زمن النص ينتهي ، وتحل محله اعمالا تخلو من الكلمة وتمتلئ بالحركة . فيقول :" انا اؤمن بالزمن الذي سوف يكون بمقدورنا فيه ان نخلق اعمالا فنية مسرحية بدون استعمال المسرحية المكتوبة " .
لم يتعامل مع الممثل بوصفه كائنا حيا له مشاعره واحاسيسه وله ابداعاته الشخصية التي يطمح في اظهارها على خشبة المسرح ، انما اراد منه ان يكون منفذا بشكل اعمى بكل توجيهاته التي تساعد على اظهار الفكرة المسرحية التي رسمها المخرج . فكان الممثل ادة صماء يتصرف بها كيفما يشاء . كما كان يستخدم امهر الممثلين لانه يعتقدهم الوحيدون الذين يستطيعون الوصول الى الانسجام والتطابق مع افكار المخرج .
بدأ (كريج) لتحقيق نموذج خاص بالممثلين مثلما يريدهم ، لكن لم يلتزموا بالنصائح الموجهة اليهم ، لذلك ابتكر ( السوبرمارونيت : Supermarionette ) : "وهي نوع من العرائس التي تتمتع بالقدرة على الاستجابة لجميع التوجيهات وتحقق جميع الاوضاع " .
يمقت (كريج) الفردية في التمثيل ، فضلا عن ذلك كان يطالب من الممثل ان يكون نغمة مؤتلفة مع جميع النغمات المسرحية الاخرى ، من ممثلين وممثلات ، وادوات واضاءة ومناظر وحركات وخطوط والوان ، فضلا عن اكتشافه نوع جديد من التمثيل ، يستخدم في اتجاهه الاخراجي اطلق عليه ( الايماء الرمزي ) .
اعطى (كريج) الفضاء المسرحي دورا مهما ، فراح يركز على فخامة المنطق المسرحي وينفذ تصاميمه على اساس ان المنظر هو المفسر لمضمون النص الذي تناوله كمادة للعرض . لذلك عده من العناصر الفعالة والمهمة . وقد كانت تصميماته تقوم اكثر ما تقوم على التركيبات المعمارية التي تلقى من روع المتلقي وترمي به الى السماء . فضلا عن ضرورة ان يكون الديكور منسجما مع افكار المؤلف لخلق تكوين مسرحي جيد ، فاراد ان تكون المسرحيات العظيمة هي التي لها ديكور عظيم خلاق لائق بها . ان كريج كان يصمم وينصح المخرجين الاخرين بان يقوموا بالتصميم بنفسهم ، فكان يقوم بتحديد الخطوط ، الالوان ، الكتل والاشكال وغيرها من التصميمات الاخرى .
ان اهتمام (كريج) بفن الرسم وفن العمارة كان يدعو لان يؤكد ضرورة تواجدها بتشكل زمني خاص داخل العرض المسرحي من خلال المنظر المسرحي . لذلك كان يقوم بالتصاميم المنظرية بنفسه فيقول : " انني لا ارضى لمناظري ان تكون الرواية هي مصدرها الوحيد ، بل ينبغي ان يكون هذا المصدر هو مناحي الفكر الواسع التي تثيرها الرواية في خيالي ، او الروايات التي نفسها في الشاعر نفسه من قبل " .
يعد (كريج) الازياء عنصرا مهما في العرض المسرحي ، والمخرج هو المسؤول عن تصميمه ، وعلى المخرجين ان يصمموا ازيائهم بنفسهم لاداء العرض المسرحي . لذلك يرى اصعب الازياء هي " الازياء الملونة ، وهي تحتاج الى الدقة والتأني في تصميمها " . ويقول ايضا " اذا اردت تصميم الازياء فاياك ان ترجع الى كتب تاريخية لازياء ، بل اترك لخيالك العنان ، او البس شخصياتك حسب ما تمليه عليك قدراتك الابداعية " .
اما (الاضاءة) فتلعب هي الاخرى دورا مهما وفعالا في العرض المسرحي لذلك " سعى الى ايجاد طرق جديدة في استخداماتها وتطويرها وبابتكار اساليب فنية تساهم في تفسير اعماله الفنية ، من خلال الايماء واعطاء الجو المناسب دون اللجوء الى الواقعية او الطبيعية . واكد على المخرجين ان يقوموا بابتكار طرق جديدة ايضا لاضاءة المشاهد الخاصة باعمالهم المسرحية ، وبشكل ينسجم مع العناصر المسرحية الاخرى " . كما دعا الى ازالة الإضاءة الارضية لذلك يقول "ادعو الى ازالة الإضاءة الارضية للحافة الامامية للمسرح ، لان لا فائدة من وجودها بعد التطورات والاساليب التي حدثت في فن الإضاءة ، فيجب ان نزيل هذه الاضائة باقصى ما يمكن من السرعة " . وتعد مسرحية (المدعوون) عام 1926 لمؤلفها (ابسن) كمثال لمنهج عمل (كريج) في الاخراج الرمزي .
فيسفولد مايرهولد*:
سعى (مايرهولد) الى مسرح يبحث عن اشكال واساليب اخراجية جديدة، تتجنب مطابقة الواقع. لذلك عارض الاتجاه الواقعي و الطبيعي اللذين كانا يتبعهما (انطوان) و (ستانسلافسكي)، فذهب الى خلق مسرح يكون بديلا عن ذلك ، ليهئ الجو المناسب للمتلقي لخلق قدراته التمثيلية، فسار العمل على مبدأ يسمى بـ(الاسلبة) والذي يعني "ان نبرز جميع الوسائل التعبيرية التركيب الداخلي لعصر معين او ظاهرة معينة وتصوير ملامحها الخبيئة المتميزة التي تتواجد في الاسلوب الضمني لعمل فني ما يمكن ان يحقق وظيفة من خلال الخيال فقط، ومعنى ذلك ان العمل الفني يجب الا يحمل الى حواسنا كل شئ دائما، وانما يكتفي بتوجيه قدرات التخيل لدينا" . وهذه الطريقة المتبعة ترفضها واقعية (ستانسلافسكي) وطبيعية (انطوان)، فادخل (مايرهولد) الاليات المتحركة على العرض المسرحي، واستخدم التكوينات المجسمة بدلا من الديكورات المرسومة.
اهم ما يمتاز به المسرح الشرطي لدى (مايرهولد):-
1- يقدم التكنيكات البسيطة التي من شانها ان تفسح المجال للاخراج ليأخذ اهميته .
2- تكون حركة الممثل متناغمة مع حركة الديكورات ويعطي فراغا ذا ابعاد ثلاثة، ويضع في خدمته البلاستيكية النحتية.
3- لا يبحث عن التنوع في الميزانسيين، فالحركة عنده لا تفهم بالمقدار الحرفي، وانما بتوزيع الخطوط والالوان، وبالرشاقة والمهارة التي تتطلب بها هذه الخطوط والالوان وتتمازج بما يسطح عليها ويطبقها في اعماله.
4- يلغي الاضواء الامامية، وينزل بخشبة المسرح إلى مستوى الصالة.
5- يجعل المتلقي لا ينسى لحظة واحدة انه أمام ممثلين يؤدون أدوارهم، وانما امام هؤلاء صالة متلقين –أي انه يناضل ضد الواقعية الإيهامية.
6- المخرج يجعل مهمته توجيه الممثل فقط، وتنظيم العرض المسرحي، وليس ادارته، وهذا ضد الواقعية الايهامية .
يعمل (مايرهولد) بالنص حسب تصرفه الخاص، وليس من حق الكاتب ان يطلب من المخرج تنفيذ ملاحظاته، لان دوره ينتهي حالما ينتهي من كتابة النص، فيريد ان يكون المخرج اقرب الى ان يكون كاتبا مسرحيا وليس العكس . نفهم ان (ماير هولد) عمل على مخالفة الاتجاه (الواقعي) و(الطبيعي) في كل شئ سواء كان ذلك في النص او أي عنصر اخر من العناصر المسرحية بل حتى المتلقي من اجل التوصل الى اتجاه مغاير يتناسب مع اعماله المسرحية.
يعد الممثل من العناصر الاساسية المهمة على خشبة المسرح، وان جميع العناصر المسرحية وجدت لخدمته، وطريقة معالجة الدور في عمله اوجدت عنده اسلوبا جديدا في تدريب الممثلين اطلق عليها اسم (البيو- ميكانيك): وهو نوع من التدريب يهدف الى تطوير الممثلين الذين عليهم ان يكونوا رياضيين ولاعبي اكروبات وآلات حية في الوقت نفسه، ويعتمد على الاستعداد للفعل والفعل نفسه ورد الفعل الموازي. والهدف من ذلك الى تنظيم الاستجابات الانفعالية للممثل، من خلال استخدام الحركات البلاستيكية التي تعين المتلقين على فهم الحوار الداخلي للشخصيات. كما يعمل هذا الاسلوب على استعادة الممثل للتشكيل البيولوجي، ولابد من ان يكون صحيح الجسم والأعصاب، وان يتمتع بمزاج جيد، وحيوية داخلية، والدرجة الضرورية من الاستشارة، والقدرة على التحول، والمهارة في الابتكار، وسرعة البديهية، والذوق الرفيع، وان يتمتع بموهبة موسيقية، وان يكون قادرا الى حد ما على الغناء، فهو يضطر الى ذلك احيانا، فضلا عن تسلحه برصيد كامل من الخبرات التي يحتاجها ليس في اثناء ادائه الدور، لكون مشكلة الممثل المعاصر هي: اهماله المطلق لاسلوب (البيو- ميكانيك)، لذلك نحن بحاجة الى دراسة لهذا النمط من التدريب من اجل خلق اشكال بلاستيكية على خشبة المسرح .
الفضاء المسرحي عبارة عن مكان الغيت فيه الستارة الامامية، وكذلك رفعت اضواء الحافة الامامية لخشبة المسرح كافة، والنزول الى مستوى الصالة، وتحرير الممثل من قيد المناظر الثقيلة المسرحية. لذلك اتسمت مناظره بالبساطة وقوة التعبير. وعمل مصمم المناظر المسرحية هو خلق الانسجام بين الممثل والارضية التي تتحرك عليها الاجسام . فالمخرج هو المسؤول الاخير عن وضع التصميمات الخاصة بكل ديكور يضعه في العرض المسرحي.
تدخل الموسيقى عنصرا مكملا في العرض المسرحي، فلها القدرة على التعبير عن افكار المخرج كوسيلة تجريدية. فقبل الاخراج تدخل الموسيقى لوحة وهمية في الزمان وحسب، وفي الاخراج يتم التغلب على المكان بواسطة الموسيقى. اما الوظيفة الخاصة لها في العرض المسرحي فهي تعزيز المزاج فقط ولا ترتبط بعناصر الفعل الدرامي، فعملية الوفاق بين التجارب الموسيقية وبين الدراما الكلامية من شانه ان يضفي الينا خلق تراجيديات وكوميديات في الموسيقى اطلق عليها اسم (مصطلح اللاتيموتيف ). يفهم الباحث ان المخرج لا يضع الموسيقى في عملية تبقي المتلقي مشتت الانتباه، وانما هي عنصر مكمل لعناصر العرض ومحفز للممثل على البقاء في مساره الصحيح ضمن الاداء المتفق عليه من اجل الوصول الى الابداع الحقيقي المراد له تحقيقه.
الاتجاه الملحمي :
يلجأ اتجاه العرض الملحمي الى تجمعات بسيطة مختلفة على خشبة المسرح ، لتصوير معنى الاحداث ، وهو المعنى لذي ندركه ونحيط به بمجرد نظرة واضحة سريعة ، وفي سبيل هذا فاننا لا نلجأ الى التجمعات المنقولة بتلقائية التي تقدم صورة مخادعة للحياة . وليست وظيفة المسرح ان يصور الاوضاع غير الطبيعة في العالم ، ولكن وظيفته هي عكس ذلك فالغرض المنشود هو اقامة الاوضاع الطبيعية . فالذي يقلل الاوضاع الطبيعية في الواقع هي وجهة نظر تاريخية واجتماعية . وعلى ذلك فان المخطط للاخراج الملحمي يجب ان يضمن رصدا تاريخيا للسلوك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي . ويمثل ( برخت ) اساس هذا النوع من الاتجاهات .
برتولد بريخت* :
يعد (بريخت وزميله بسكاتور) مؤسسي (نظرية المسرح الملحمي) والتي تخالف في قواعدها نظرية (ارسطو) المعروفة التي تعتمد على مبدأ التطهير، وقد افاد (بريخت) في نظريته تلك من الفنون المسرحية في الصين والهند واليابان، والمسارح الشعبية في النمسا، ولكنه لا يعني انه ارتكز بمسرحه على تقاليد المسارح الكلاسيكية، بل تقوم على الشمول والتكامل في كل جوانبها سواء كان في التأليف او التمثيل او الاخراج وتقدم مفهوما للمسرح غايتها بناء العلاقة بين المسرح والمجتمع، فاراد بريخت ان ينقل المتلقي، وان يجمع امامه صورتين في آن واحد الصورة المسرحية وصورة المجتمع وتكامله – أي ان المتلقي يجب ان يفكر ولا يتعاطف. هذه العلاقة الجديدة بين المتلقي والمسرح والمجتمع هي التي اوحت للمصطلح الملحمي لمسرحه للتفريق بينه وبين المسرح الدرامي، وايضا عن المنطلق نفسه الذي اتبعه سابقه (بسكاتور) على ان المتلقي يقف موقفا سلبيا، وانه يجعل الاحداث غير قابلة للتغيير، وبذلك فان المتلقي يجب ان يؤدي دورا فاعلا في العرض المسرحي وان يبحث موقفا نقديا لما يرى ويسمع، ومخاطبة عقل المتلقي وليس مشاعره، لان المتلقي قابل للتغيير باستمرار .
إن المسرح الملحمي هو مسرح سردي لا يمثل الاحداث، بل يعرض بصورة متسلسلة حيث يترك لكل مشهد كيانه المستقل من دون أن يرتبط بما قبله أو بعده، مما يؤدي إلى إن الحوادث تسير إلى غايتها بخط منحن. فضلا عن انه يروي الأحداث نفسها كصور لما في العالم ويقدمها كموضوعات متعددة، كذلك له خاصية التحول المباشر من العرض إلى الشرح والتدقيق، ويقوم كسر الإيهام وكسر الاندماج الكامل. أي انه يقول للمتلقين لا تشاهدوا أحداثا حقيقية لحظة مشاهدتها، بل قصصا حدثت في الماضي، ويعتمد المسرح بدوره على عنصرين مهمين رئيسين هما:
1- التغريب: هو عملية جعل الاحداث والشخوص غريبة والقصد منها هو تهيئة المتلقي ووضعه على مسافة نقدية. للنظر الى الظاهر بعين النقد من اجل التصحيح، ولهذا تقنية الاحداث الاجتماعية والانسانية المطلوب تصويرها وتسميتها، على اعتبارها شيئا يدعو للتفسير والايضاح لا مجرد امر طبيعي، مألوف .
2- الجست (guests) : وهو الحركات والإيماءات الاجتماعية. والحركات لا تعني فقط حركة الممثل وردود افعاله والعابه الجسمانية. وانما الحركة والكلام والموقف والموسيقى التي تكتشف ليس فقط بالوسائل السايكولوجية بل عبر التصرفات والحركات ايضا. ان عملية (الجست) هي عملية تشبه بفكرة توحد عناصر العرض، اذ تتخذ الحركة واللغة التعبير عن حالة واحدة مشتركة لا يمكن تزييفها، وقد تكون الاشارة الحركية الدالة صورة لحادثة قصيرة من المسرحية، ومن ناحية المفهوم فان عنصر الجست، يستند الى ان يكون الفعل المرئي والايحاءي والاشاري، اقل عرضة للتزييف من اللغة .
يعد الاخراج هو "الاسلوب المناسب في تقديم الاعمال المسرحية، من خلال الجمع بين الكلمة والموسيقى والصورة. اسلوب تجريبي يتم بالتزمت وضيق الافق. كذلك لم يستق اسلوبه من تكييف المواد بل من موقف المتلقي، ومن ثم فانه اسلوب ليس كالعادة لا يتطور من خلال العمل بمفرده او من التقاليد القائمة في تقديم العرض، وانما يسعى هذا الاسلوب الى تحديد وتحقيق المتطلبات الاجتماعية. اما المصطلحات التي استخدمها كالمسرح الملحمي والتعليمي…الخ. فهي ليست عقائد شكلية، وانما مراحل تجريبية لا ترمي الى الغاء الدراما بل الاحرى الى تقديم القاء جديد للدراما مع المتلقي هو اكثر الزاما من الدراما التقليدية" .
اصبح النص المسرحي لديه لا يتناسب مع الطريقة الارسطية، وكذلك مع شان هذا العصر المتحول، والذي يعيش في عالم متغير، فجاء بنصوص ملحمية قاصدا اهدافا عملية. يبني من خلالها العلاقات المتغيرة بين الناس وعبوديتهم للظروف الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم ايقاظ فهم للثورة والتصدي لها والعمل على تغييرها من خلال التوعية والتثقيف. فوظيفة المسرح لا تشمل تصوير الاوضاع غير الطبيعية، بل اضافة الاوضاع الطبيعية في العالم. كما اعتمد في نصوصه على الاسلوب التعليمي، الذي يضع المسرح في خدمة الحقيقة الاجتماعية سالكا منهج (بسكاتور) في طرق الاخراج، واستخدم الوسائل الجديدة في التاثيرات المسرحية ليس هذا فحسب بل أعتمد على الاسلوب الترفيهي من خلال اقترابه من ساحة السيرك، حيث لا يتقمص المتلقون ما يرونه، الا ان الفارق بين قائمة المسرح المعمول في الاسلوب التعليمي وساحة السيرك، هو ان المسرح يقدم عرضا انسانيا لاحداث تاريخية جرت في الماضي .
على الممثل في مسرح (بريخت) ان يتجنب الاندماج في دوره، وان يظل مدركا بانه يمثل دورا ولا يقدم الحقيقة- أي ان الممثل يؤدي حواراته على نحو سردي، يسرد افعالا قام بها شخص اخر في زمان سابق ، فالممثل يجب ان يؤدي دوره بمعزل عن تقمص الشخصية، ولمنع هذه العملية، حدد (بريخت) ثلاث وسائل تمكنه من ذلك هي:-
1- النقل على لسان الشخص الثالث.
2- النقل بالزمن الماضي.
3- قراءة الدور الى جانب التعليمات والملاحظات .
إن الممثل يجب أن يكون قادرا على الإيماء في لحظات مناسبة (انه يمثل بطبيعة تمكن الانسان من رؤية المنحى الآخر للحدث)، بحيث تجعل التمثيل يسمح للمتلقي بحث الاحتمالات الأخرى الى الحد الذي يبدو معه أي حدث واحد من حملة الاحداث المتنوعة- أي يريد ان يكون موقف الممثل موقفا واعيا وعقليا واستعراضيا، وهذه الطريقة تعارض مبدا (ستانسلافسكي) الذي طالما أصر على أن يكون الممثل وحيدا تماما مندمجا في ذاته، ثم بعد ذلك تدخل الشخصيات في علاقة مع بعضها الاخر على أساس ان طبيعة الشخصيات التي تقرر نوع العلاقة ما دامت الشخصية المفردة هي الوحدة الاساسية .ندرك من خلال ذلك ان المخرج يريد ان يكون علاقة بين ممثل واخر، وليس هناك علاقة فردية واحدة كما فعل (ستانسلافسكي) الذي اراد بها ان تكون هذه الشخصية المفردة، لذلك عمل ان يكون كل شئ ملاصقا في عمله ودوره واتقانه مع الاخرين، ومن ثم تحقيق الاسلوب الذي يبغيه.
يعد الجمهور عنصرا ضروريا ومنتجا متميزا في فن المسرح ، لان المسرح عنده ماهية متكاملة من خلال عناصر العرض المختلفة، والجمهور هو احد هذه العناصر. ولكي يتطور فن المسرح، لابد من تطوير الجمهور وجعله عنصرا منتجا فعالا، يقف موقف الناقد للاحداث، لا المتلقي الغارق بالايهام، لهذا فالعرض بدون متلق، لا يشكل الا نصف عرض…والمتلقي الذي استدرج الى العرض المسرحي يجب ان يكون مشاركا في المسرح . نفهم ان المتلقي يجب ان يكون مثقفا وواعيا لمجال الفن المسرحي، لكي يستطيع ان يكون ناقدا مميزا، وبدوره يستطيع ان يحلل أي نوع من الانواع المسرحية التي يشاهدها بيسر، فوجوده في العرض المسرحي مهم للغاية، وهذا الاخير بدوره الى المتلقي يكون الخلفية الفنية بكل مكوناتها الفكرية والاجتماعية بقصد التفسير والدراسة، والكشف عن العيوب من اجل الدعوة الى التغيير، لكون الانسان متغير ومغير في الوقت نفسه، ومن ثم تحقيق نظرية متكاملة من جميع النواحي ومن ضمنها عنصر الجمهور.
تاثر (بريخت) في "استخدام اسلوب المنظر بعض الشئ بالمخرج (كريج) فقد ادرك الاخير خلق صورة رمزية تحل محل المنظر المرسوم للغابة الكاملة. وذلك لانه ادرك ان التفاصيل غير الضرورية تستحوذ على اهتمامنا بلا ضرورة. اما (بريخت) فلم يستخدم هذه الطريقة في المناظر المسرحية فحسب، بل عمل بها حتى مع الممثل عندما ينظر اليه من وجهة نظر المتلقي. فهو يلغي العاطفة المصطنعة وكذلك يلغي ايضا تطور التشخيص وتنامي المشاعر لدى الشخصية، لانه ادرك ان عدم الغائها سيؤدي الى عدم الوضوح المغزي والذي نريد ان نصل اليه" .
انه يرفع الستار في مسرحه، من اجل اتاحة الفرصة للمتلقين ان يروا استعدادات الممثلين مباشرة، مثل بداية العرض المسرحي، كما يرفض المنصة الثابتة باساليبها فيقول:" يجب ان نبني المنصة في كل عرض مسرحي بطريقة جديدة تنسجم وطبيعة المهمة التي يسعى اليها فريق العمل بشكل عام فلا ثبات وكل شئ يجب ان يكون موحيا ورمزيا وهادفا ومتغيرا" . والعوامل التي تعمل على نجاح مهمة مصمم المنصة، كيفية تصوير المكان والتاثير المتبادل في المنصة والممثلين وانعكاسه على التصميم وعلاقة الديكور بوصفه وسطا جماليا متصلا بسائر الاوساط الجمالية الاخرى. وبهذا فان استخدام (بريخت) للمنظر المسرحي لم يكن محددا باسلوب واحدا وانما متغير تبعا لتنوع عروضه المسرحية، ومتغير ايضا تبعا لما يحدث من تغير في هذا العالم المتغير الذي يخضع له.
تتوزع الاضاءة بشكل محدد، والتي تتمثل بالاضاءة الفيضية على خشبة المسرح، حتى في مشهد الليل، ولا يعطي للمتلقي فرصة الاستغراق في احلام اليقضة او الشعور بنفسه انه مرتبط بالظلام مع غيره. كما دعا الى ان تكون اجهزة الاضاءة مرئية من الجمهور، كل ذلك من اجل تحقيق مبدا التغريب .
تعد الموسيقى عنصرا مهما جدا في العرض المسرحي ووسيلة من وسائل التغريب ، فهي تساعد الممثل على اظهار المعنى الباطني الاجتماعي والاساسي لمجمل علاقات الحدث المسرحي. كما تدخل في بناء حبكة العرض بوصفها وحدة من وحدتها العضوية، وتسهم في ابراز مضمون العرض ايضا، بمعنى اخر ان هذا العنصر لم يعد مؤثرا صوتيا يسعى الى خلق جو في المسرحية ياتي منسجما مع الجو الذي يعرضه الحدث المسرحي، وانما يسهم في توحيد مشاعر الجمهور، فضلا عن انه يقوي عنصر الاندماج بين الصالة وخشبة المسرح .
كما استخدم (الاغاني) في العرض من اجل التركيز على الحدث فيقول:"تتوقف الحركة على خشبة المسرح، ويبدو اسلوب بريخت هنا مطبوعا بطابع البساطة والسهولة، فمثلا هذه الاغاني تفسر الاحداث من وجهة نظر عالية ودقيقة، ومرتبط الحدث الخاص والفريد من نوعه بالحدث العام والشامل". كما تعمل على ان تكون وسائل لقطع سياق المسرحية وتمنع المتلقي فرصة التفكير والتامل. وتظل الفرص الموسيقية ظاهرة للمتلقي حتى لا تصبح الموسيقى الخفية وسيلة لخلق توهم الحقيقة عند المتلقي .وبذلك نفهم ان كلا العنصرين (الموسيقى)و (الاغاني) يؤديان دورهما بشكل منفصل، لكون كل منهما يشكل جانبا خاصا به، ووظيفة خاصة في العرض المسرحي بشكل منسجم وجمالي.
7 – اتجاه المسرح الفقير :
ان المسرح يجب ان يجد طريقا اخر بحيث يوثق العلاقة العضوية مع الجماهير ويعود الى الاوضاع المسرحية البدائية الى اتجاه المسرح الفقير . ويعود الى اصول المسرح واصول الانسان ، فيعيد تأصيل مجموعة العلاقات الاساسية في العرض المسرحي : الممثل والمتلقي ، النص والمخرج والممثل ، اهداف المسرح ، اخلاقيات المسرح ، تقنيات الممثل وغيرها . ويعد كروتوفسكي صاحب هذا النوع من الاتجاهات .
جيرزي كروتوفسكي* :
دعا (كروتوفسكي) مسرحه باسم ( المسرح الفقير) لان التقنية الموجودة في المسرح مهما توسعت ومهما استغلت امكانياتها الالية، ستبقى ادنى من الفيلم والتلفزيون فضلا عن اعتماده على الممثل لانه يمثل جوهر المسرح ، لذلك يقترح الفقر في المسرح. اما ما يسمى بـ (المسرح الغني)- فيرى بانه هو المسرح الغني بالعيوب، الذي يعتمد على الولع بالسرقة الفنية والاقتباس من معارف اخرى وبناء مشاهد هجينة مختلفة يعوزها السند والامانة .
يحتل المخرج مركزا قياديا خاصا في المسرح البولندي، ويعد نفسه ليس مجرد مخرج او منتج او معلم روحي بالدرجة الاولى، وانما عمله يتخذ عدة اتجاهات في تحقيق الابداع الفني. فالعرض المسرحي يتضمن متناقضات مسرحية، بين أي عنصرين من عناصر العرض: الموسيقى والممثل، والممثل والمتلقي، الممثل والأزياء، او بين عضوين من اعضاء الجسم (الايدي نعم، الارجل لا، …الخ). فضلا عن ذلك يقوم العرض من الناحية التقنية عنده على استغلال كل الطاقات الفيزيقية والصوتية الكثيفة والمستوحاة في التعبيرات البدائية للانسان الاول. وكذلك التقنيات يجب ان تكون علاقة صحيحة بين المتلقي والممثل ودمجهما معا .
يرى (كروتوفسكي) ان المجابهة هي الجوهر. وليس النص جوهر المشكلة، فالنص حقيقة فنية لها وجودها في المفهوم الموضوعي. اما المجابهة فهي علاقة الممثل مع نفسه، مع افكاره، مع عقله، مع مواهبه، مع جمهوره، والى اقصى حد ممكن. ينفي وجوده قاعدة اساسية مقدمة يترتب عليها النص، وعلى هذا الاساس يسقط قدسية النص، وعده مجرد موح بالرمز او الطقس او الاسطورة، كما يترتب هدم قاعدة الموضوع الواحد، او الفكرة الواحدة في العرض. لذلك لا يلتزم بنص المؤلف وافكاره كما كان في المسرح التقليدي، وانما يضعه كاحد العناصر الموجودة بين عناصر العرض، ومع ذلك هو ليس اقل عنصر من عناصر العرض اهمية- أي ان المخرج يتصرف في النص بحرية، ولكنه لا ينزلق في التفسيرات الشخصية قط، وانما يشغلها كما يشغل الرسام الالوان .
دعا الى الالتحام بين النص والممثل لانه هنا تكمن قيمة النص الحقيقية. "فالنص وسيلة يعبر بها الممثل عن نفسه، ومن خلال هذه الوسيلة يستطيع ان يحلل نفسيته، وبها يتمكن من اعادة خلق علاقته مع المثلين الاخرين- أي ان النص ليس بتمثيلية، وانما يصبح كذلك من خلال استخدام الممثل له، ويفضل التنغيمات والتداعي الذي تخلقه الاصوات وموسيقى اللغة" .
يعد (الممثل) لدى (كروتوفسكي) العنصر الجوهري في العملية الابداعية، اذ بدونه لا يمكن ان تتم هذه العملية، اما العناصر الاخرى في المسرح فيمكن الاستغناء عنها كالازياء، والاضاءة، والموسيقى…الخ . ففي جميع المسارح لا يمكن الاستغناء عن الممثل، لانه العنصر الوحيد الحي والفعال المتحرك على خشبة المسرح. فبجسمه يمكن ان نخلق كل العناصر المرئية، ولا سيما التشكيلية منها، فضلا عما يكون عليه الممثل من نفسه داخل نفسه، عملية استطلاع قابليات الممثل الى اقصى حد.
ان تدريب الممثل "لا يتم عن طريق مجموعة المهارات المتفق عليها او نعطيه (حقيبة حيل). وليست طريقتنا هي جمع المهارات. وانما تدريب الممثل عن طريق نضج العمل من خلال الجهد المكثف والمفرط وكشف النقاب عن كنه الانسان- أي عملية ليست بالمتعة الذاتية وانما ازالة جميع العوائق لكي يهب الممثل نفسه كليا. وهذ ما يطلق عليه (كروتوفسكي) باسلوب ( الغيبوبة) اسلوب تلاحم كل قوى الممثل النفسية والبدنية المنبثقة من الطبقات المرتبطة بتصميم طبيعة المرء واحاسيسه. اذن تربية الممثل في مسرحنا ليست قضية تعليمية،وانما عملية انسجام ونظام محاولة التخلص من مقاومة العملية النفسية" .
يقسم (كروتوفسكي) الممثل الى ثلاثة انواع:-
1- ممثل بدائي: كما في المسرح الاكاديمي او التقليدي.
2- ممثل صانع: وهو الذي يبدع مؤثرات فيزيقية وصوتية.
3- ممثل طقوسي: وهو الممثل الصانع الذي ينفتح على صور وخيالات ورموز مستمدة من العقل الباطني للمجتمع، ويهتم المخرج بالنوع الاخير ويدربه في معمله المسرحي. ويحتاج هذا الممثل لابداعه شرطين اساسيين في عمله، للوصول الى القمة هما : (النظام) و(الانسجام). لذلك يجب ان يكون الممثل جاهزا للمشاركة في الابداع متى ما شاءت المجموعة، ولا ياتي الى التمرين وهو عاجز عن التركيز، لان الحضور الالزامي في مكان العمل ليس هو الشرط الاساسي وانما الاستعداد البدني .
اراد من المتلقي ان يكون له اتصال مباشر مع الممثل، فليس هناك خشبة مسرح منفصلة، فالممثل يحدث المتلقي مباشرة ويدور حوله باستمرار، ويلمسه، ويفاجئه بمؤثرات متعددة، فالمتلقي مشارك في العرض المسرحي، فمثلا في مسرحية (كورديان) للكاتب البولندي (سلوفاكي)، يتحول الجمهور الى مرضى في مستشفى المجانين. فالمتلقي يفهم شعوريا او لا شعوريا ان هذا العمل دعوة له لان يعمل مثله، وهذا دائما ما يثير لديه المعارضة، لان جهد المتلقي اليومي سينصرف الى اضفاء الحقيقة، لا عن العالم الخارجي فقط بل عن نفسه ايضا. فالمتلقي الذي لديه احتياجات روحية عميقة، يهتم به، والذي يود حقيقة من خلال مواجهة لهذا الاداء- ان يقوم بتحليل نفسه، وهذا التقارب الفيزيقي الحميم بينه وبين الممثلين انما يهدف الى تحقيق هذا التحليل النفسي الجمعي . نفهم من المخرج انه لا يريد جمهورا ميتا يشاهد فقط، وانما جمهورا واعيا مؤثرا حيا يحس ويلمس ما يراه، لهذا كان يختار وينتقي جمهورا خاصا به، حتى لو اضطر الى ان يدفع المال لاصحاب الطبقات الفقيرة وصولا لانجاح العرض المسرحي.
يستخدم المناظر المسرحية البسيطة، ويرفض الاستعانة بالابتكارات الحديثة التي كانت ساندة في المسرح الحديث، التي كان المصمم يسرف كثيرا على العرض ويزينه ليصل به إلى ابهى صورة، بوجه عام فانه يرفض فكرة تعصير المسرح (محصلة العصر). فاراد المخرج في مراحله الفنية الاولى الابتعاد عن جميع اشكال المنظر المسرحي، وركز اهتمامه على الممثلين وحركاتهم الجسدية التعبيرية، ووسائلهم السحرية والطقسية. فضلا عن اهتمامه بالاماكن التي تجري عليها الاحداث وتشكيلها الداخلي مؤكدا الوحدة بين الممثلين والجمهور. فمثلا يحيط الممثلين بالجمهور ،على شكل هلالين منفصلين، ويتمكن الممثلون من الحركة والانتقال بواسطة جسور خشبية تمتد بين صفوف الكراسي، او يستخدم صالة عرض فارغة، يجلس الجمهور في صفوف جانبية ملاصقة للجدران، ويكون المسرح خاليا من أي ديكور، والإضاءة تقتصر على الشموع والبروجكترات فقط .
اراد المخرج ان يعمل على تقريب الممثل والجمهور، بحيث يصل الى درجة ان يسمع انفاسه، ويشم عرقه، من خلال حذف المنصة وازالة كل الحدود المتصلة بها .
يعد (المؤثرات الضوئية) غير ضرورية فيقول:" تخلينا عن التاثيرات الضوئية فتبين ان في مصادر الضوء الثابتة امكانات واسعة للممثل يستطيع بواسطتها استخدام الظلال والبقع المضيئة وغيرها بشكل مدروس" . فضلا عن مشاركة الجمهور، عندما يصبح مرئيا بواسطة الاضاءة، يعني ان دوره قد بدا ايضا في العرض المسرحي.
استغنى عن (الازياء) ايضا، واستعاض عنها بالشخصية المسرحية ونشاطاتها بغير مدلول مستقل عنها واستخدم ممثلوه ازياءا وظيفيا اشبه بازياء اليوغا . اذ ارادها ان تمتاز بالبساطة والعفوية، وعدم الاهتمام بالبهرجة والزخرفة.
اصبح (المكياج) هو الآخر عنصرا غير ضروري فيقول:" تخلينا عنه هو الاخر وعن الانوف الكاذبة والبطون المحشوة بالوسائد بكل ما يتزين به الممثل قبل العرض في غرفة الملابس، فالممثل يستطيع ان يغير وجهه بالسيطرة على عضلات الوجه، وكذلك فان العرق والنفس تحول عضلاته الى قناع" . معنى ذلك ان الممثل له قدرة على التحول من نوع الى نوع ومن شخصية الى شخصية ومن صورة الى صورة من خلال البراعة المسرحية.
استغنى عن الموسيقى فيقول:" تخلينا عنها ايضا سواء كانت حية او مسجلة لا تصدر عن الممثلين، يجعل العرض المسرحي نفسه قطعة موسيقية، وذلك عن طريق تناسق اصوات الممثلين وتضاربها بشكل جميل ومناسب" .