- اتجاه مسرح (القسوة)
تعرف القسوة انها "مؤشرات روحية ، لها معان محددة تصب المتلقي بالايماء، ولكن في قسوة يستحيل التعبير عنها في لغة منطقية قابلة للمناقشة" . كما يريد للمسرح "ان يخترق الحياة من وجهة نظر جديدة كل الجدة : خسوف الانسان .. تصوير النهاية السوداء التي الت اليها حال المجتمع الانساني .. كذلك يجب ان لا يعكس الحقيقة على المجتمع ، كما لو انه يريد نفسه في المرآة حسب نظرية الاخلاقيين ، ولا يجوز ايضا ان يدخل للمجتمع مدخلا اخلاقيا او سياسيا فالمسرح يجب ان يتحول الى نار محرقة (طاعون بين البشر) ، ووسيلة التعبير هي الصور الفيزيقية القاسية التي يجب ان تتوصل الى تقويم جهاز الاحساس عند المتلقين ، كما لو ان قوة عليا تسيطر على صالة المسرح ، الى درجة تفقد الانسان المتلقي وقتيا سيطرته العقلانية ، وتجعله يعيش حالة ثورية هدامة على الذكاء الانساني " . وبهذا نتلمس بان المخرج يريد تحول الحياة الواقعية الانسانية الى حياة سرية ميتافيزيقية روحية بدائية . ويعد ارتو صاحب هذا النوع من الاتجاهات.
انتو نين ارتو*:
يعد (ارتو) واحدا من المخرجين المسرحيين الذين دعوا ضمن دعواهم الى مسرح يبتعد عن الزيف والنمطية السائدة ان ذاك اذ اراد لمسرحه ان يكون اشبه بمحرقة، طاعون بين البشر، ووسيلة التعبير هي الصور الفيزيقية القاسية التي يجب أن تتوصل إلى تنويم جهاز الأحساس عند المتلقين، والقسوة لا يقصد بها ذلك النوع من القسوة (السادية) وانما القسوة التي تصدق بين الناس جميعا بحكم خلوها من الدوافع الشخصية ومن التعقل. وهذا الاتجاه الذي يتحقق به هذا الهجوم العنيف على ما هو شائع ومالوف، والممثل بالقسوة والأحوال القاسية التي يعيشها الإنسان هو اتجاه يتضمن قدرا هائلا من الصلابة يفوق صلابة الحياة نفسها، كما يتضمن هذا الأتجاه فكرة أن الكلام وسيلة من وسائل الاتصال لان الكلام يعد من أدوات التعبير المسرحي حسب رأيه، ومن ثم فانه لا مكان له في المسرح .
لقد دعى ارتو الى وظيفة جديدة للمسرح ، فقد عد الوظيفة الرئيسة لمسرحه "هي طرد الأوهام والخيالات" . واعتبار المسرح وظيفة نفسية وأخلاقية ثانوية، والاعتقاد بان الأحلام نفسها ليست سوى وظيفة تعويضية فقط، فيجب التقليل من التأثير الشاعري العميق لأحلام والمسرح الى حد سواء.
لذلك فان استخدام أسلوب (الحلم) امر أساسي في دراما (ارتو) فقد مكنه هذا الأسلوب من استخدام الحوار في اطار مسرحي بحت بعيدا عن مقتضيات الأسلوب الأدبي، ومكنه أيضا من أن يعلل استخدامه للرموز الهيروغليفية وسيلة لنقل أفكار معينة عن طريق الاتصال البصري، فضلا عن ذلك باستخدام هذا الأسلوب استطاع أن يقدم الأشباح والدمى وغيرها. ومن اجل ذلك كان مسرح (ارتو) يدعو الى الأسطورة والسحر والميتافيزيقية . يفهم الباحث أن هذا المسرح الذي يدعو اليه (ارتو) مسرح يدري أحداثا غير اعتيادية مسرح يدعو الى اللاشعور الداخلي من اجل أيقاظ الجمهور.
يتعامل (ارتو) مع النص المسرحي في ثلاث مراحل مختلفة :-
" المرحلة الأولى: وضع النص في مكانه عالية، فاحتفظ بمقام النص وجعله في الصدارة، ومعناه الخضوع للمؤلف، والخضوع للنص في العرض المسرحي.
المرحلة الثانية: كف عن الدفاع عن فكرة عدم المساس بالنص، ونفى حرفية النص لصالح روح النص ، وتلا هذا الشئ ،حرية المخرج، حرية العقل المطلق، استبدلت سيادة النص، شيئا فشيئا، سنطلب من الإخراج، لان النص أن يعنى بتجسيد الصراعات القديمة.
المرحلة الثالثة: استبعاد النص، والتعويض عنه بالصراخ والالتواءات ، يفعل بالنص ما يحلو له، وهذه المرحلة أذل فيها النص، وشوهه، وافقده صفاته الرئيسة تدريجيا" .
يعد الممثل عنصرا له "أهمية بالغة، ما دام نجاح العرض متوقفا على ادائه، وعنصرا سلبيا، ما دامت كل مبادراته الشخصية مرفوضة له رفضا باتا" . سواء كان ذلك بالحوار، او عن طريق التمثيل الصامت لنقل الأفكار التي يريدها المخرج عبر الخيالات والأوهام.
أراد من الجمهور ان يكون تواقا للغموض، ومتنبا بظهوره، فالمتلقي يجلس في مسرح القسوة في الوسط، في حين يحيط العرض به. فضلا عن ان الجمهور يجب أن يعي الأفكار الجليلة والمقصودة المتعلقة بالقسوة، من خلال لغة يفهمها عن طريق نظره جمالية لارتو. فالمسرحية على وفق رأي ارتو لا بد ان تتغير شكلا ولغة حتى تتضح للجمهور ، لذلك عمد مسرح ارتو الى إشراك المتلقي في العمل المسرحي اشتراكا فعليا كاملا .
دعا ارتو الى فضاء مسرحي جديد يقوم على نبذ خشبة المسرح والصالة معا، واستبدلهما بمكان واحد، بلا حواجز من أي نوع، ليصبح المسرح الأحداث نفسها، ويعيد الاتصال المباشر بين المتلقي والعرض، والممثل والمتلقي، نظرا لان المتلقي الذي وضع وسط الأحداث، محاط ومتاثر بها. والديكور لا وجود له بالمعنى العادي، بل هنالك شخصيات هيروغلوفية، أزياء شعائرية،ومانيكينات طولها عشرة امتار واقنعة ضخمة وآلات موسيقية في حجم الانسان، وأشياء مجهولة الشكل والغاية .
استطاع ارتو من خلال بحثه الدائب عن انماط وطرق جديدة للاضاءة تعتمد على نشر آثار الذبذبات الضوئية على شكل موجات، او طبقات، او قصف بالسهام النارية. ولكي توجد أنواعا خاصة من الألوان، علينا أن ندخل في الضوء ثانية، عناصر الدقة، والكثافة، والسمك… الخ، لتوجد الحر، والبرد، والغضب، والخوف وغيرها.فضلا عن ذلك فقد دعا الى الابتعاد عن الزي المسرحي الحديث قدرا من الإمكان لا حياءا بالقديم، بل لان بعض أنواع الأزياء ذات غاية شعائرية ترجع الى آلاف السنين، وان كانت قد قدمت في لحظة لا تزال تحتفظ بجمال مظهرها لدلالتها، ولقربها من التقاليد التي أوجدتها .